الجمعة، 26 يونيو 2026

الاتقان ليس رفاهية... بل هو شرف المهنة، والغش التجاري جريمة تهدم الأوطان

بقلم: كرم أيمن سعد غفرى
مستشار اللجنة العليا لشئون حقوق الإنسان والعلاقات الدبلوماسية والاتحاد الدولي الدبلوماسي لحقوق الإنسان
الصورة أمامنا ليست مجرد مقارنة بين لحامٍ بسعر 5 جنيهات وآخر بسعر 10 جنيهات، بل هي رسالة قوية تختصر واقعًا مريرًا نعيشه في كثير من الصناعات والحرف. إنها الفرق بين الإتقان والإهمال، وبين الأمان والخطر، وبين الضمير والغش.
لقد أصبحت ثقافة "هات الأرخص وخلاص" من أخطر الأمراض التي أصابت الأسواق، حتى أصبح البعض يطلب من الصانع أن يقلل من الخامة، ويختصر خطوات التصنيع، ويهمل معايير الجودة، فقط ليحصل على سعر أقل. والأسوأ من ذلك أن بعض الصناع استجابوا لهذا الفكر، فضحوا بجودة المنتج، وخانوا ضميرهم المهني، وأصبحوا يبيعون سلعة ظاهرها جيد، وباطنها مليء بالعيوب.
إن الفرق بين المنتج المتقن والمنتج الرديء لا يظهر في يوم الشراء، بل يظهر عند أول اختبار حقيقي. فالمنتج الجيد يعيش سنوات، بينما الرديء قد ينهار في أول استخدام، وقد يتسبب في خسائر مادية، أو إصابات، أو حتى كوارث تهدد الأرواح.
وللأسف، يظن بعض المواطنين أنهم يحققون مكسبًا عندما يشترون الأرخص، بينما الحقيقة أنهم يدفعون الثمن مرتين؛ مرة عند الشراء، ومرة أخرى عند الإصلاح أو الاستبدال، وربما يدفعون ثمنًا أكبر إذا تسبب المنتج المغشوش في حادث أو تلف أو خسارة لا تُعوض.
إن تقليل الخامة، أو استخدام مواد غير مطابقة للمواصفات، أو تنفيذ أعمال غير مطابقة للأصول الفنية، لا يُعد مجرد توفير في التكلفة، بل قد يدخل في نطاق الغش التجاري متى تم بيع المنتج على أنه مطابق للمواصفات وهو ليس كذلك. كما أن تصنيع منتجات غير مطابقة للمواصفات القياسية يضر بالمستهلك، ويشوّه سمعة الصناعة الوطنية، ويقضي على المنافسة الشريفة.
إن الوطن لا يُبنى بالمظاهر، بل بالجودة والإتقان. فلا يمكن أن تنافس صناعاتنا في الأسواق العالمية إذا كانت قائمة على الغش، أو على تقليل الخامات، أو على إرضاء العميل بسعر منخفض على حساب الجودة والسلامة.
كما أن المسؤولية لا تقع على الصانع وحده، بل يتحملها المستهلك أيضًا. فكل مواطن يصر على شراء الأرخص دون أن يسأل عن الجودة أو المواصفات، يشجع – دون أن يشعر – على انتشار الغش، ويمنح السوق رسالة مفادها أن الجودة لا قيمة لها.
لقد أمرنا ديننا الحنيف بالإتقان، فقال رسول الله ﷺ:
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه."
فالإتقان عبادة، والصدق أمانة، والغش خيانة، وقد قال النبي ﷺ:
"من غش فليس مني."
إننا بحاجة إلى ثورة أخلاقية قبل أن تكون صناعية، ثورة تعيد قيمة الضمير في العمل، وتحترم المواصفات القياسية، وتشجع المنتج الوطني المتقن، وتحارب كل أشكال الغش والتدليس.
كما ندعو الجهات الرقابية إلى تشديد الرقابة على الأسواق والورش والمصانع، وتطبيق القانون بكل حزم على كل من يثبت تورطه في الغش التجاري أو بيع منتجات غير مطابقة للمواصفات، حمايةً للمواطن، وحفاظًا على سمعة الصناعة المصرية.
رسالتي إلى كل مواطن:
لا تجعل السعر وحده هو معيار الشراء، بل اسأل عن الجودة، والخامة، وضمان المنتج، ومدى مطابقته للمواصفات. فالرخيص ليس دائمًا أوفر، بل قد يكون الأغلى ثمنًا عندما تكتشف عيوبه بعد فوات الأوان.
ورسالتي إلى كل صانع وحرفي:
اتقِ الله في عملك، فكل لحام، وكل مسمار، وكل قطعة خام، قد تكون سببًا في حماية إنسان أو تعريضه للخطر. واعلم أن سمعتك هي رأس مالك الحقيقي، وأن الإتقان يرفع صاحبه، بينما الغش يهدم مستقبله قبل أن يهدم بيوت الآخرين.
إذا أردنا أن تنهض الصناعة، وأن ينمو الاقتصاد، وأن نفتخر بمنتجاتنا داخل الوطن وخارجه، فعلينا أن نجعل الجودة والإتقان ثقافة، لا استثناء، وأن نحارب الغش التجاري بكل أشكاله، حتى ترتفع راية وطننا عاليًا بين الأمم، ويصبح شعارنا الدائم:
"الإتقان شرف... والجودة مسؤولية... والغش خيانة للوطن قبل أن يكون خيانة للمستهلك."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot