في كثير من الأحيان، يعتقد الناس أن المشكلات الكبرى تبدأ بقرارات خاطئة كبيرة وواضحة.
لكن الواقع يقول إن أخطر الأزمات غالبًا تبدأ عندما يتوقف الناس عن طرح الأسئلة.
فعندما يصبح من الطبيعي تنفيذ المهام دون فهم الهدف منها، أو اتخاذ القرارات دون مناقشة، أو قبول الأخطاء لأنها "الطريقة المعتادة"، تبدأ المؤسسات والمجتمعات في فقدان قدرتها على التطور.
السؤال ليس علامة على الجهل كما يظن البعض، بل هو بداية الفهم.
فكل اكتشاف علمي كبير بدأ بسؤال.
وكل مشروع ناجح بدأ بمحاولة فهم مشكلة معينة.
وكل تطور حقيقي جاء لأن شخصًا ما لم يكتفِ بالأمر الواقع، بل سأل: لماذا نفعل ذلك بهذه الطريقة؟ وهل توجد طريقة أفضل؟
المشكلة أن بعض البيئات تعاقب من يسأل أكثر مما تكافئه.
فتتحول المبادرة إلى مخاطرة، ويصبح الصمت أكثر أمانًا من التفكير.
ومع الوقت، تتراكم الأخطاء الصغيرة لأن أحدًا لم يتوقف لمراجعتها، وتستمر الإجراءات غير الفعالة لأن الجميع اعتادوا عليها.
ولهذا فإن الفرق بين مؤسسة تتقدم وأخرى تتراجع لا يكون دائمًا في حجم الموارد أو عدد العاملين، بل في ثقافة التفكير داخلها.
فالمكان الذي يشجع على السؤال والتعلم والنقد البناء يملك فرصة أكبر لاكتشاف الأخطاء مبكرًا وتصحيحها.
أما المكان الذي يعتبر كل تساؤل اعتراضًا، وكل نقد هجومًا، فإنه يفقد تدريجيًا قدرته على رؤية مشكلاته الحقيقية.
وينطبق الأمر نفسه على الأفراد.
فالإنسان الذي يراجع أفكاره ويعيد تقييم قراراته من وقت لآخر، يمتلك فرصة أكبر للنمو والتطور من شخص يعتقد أنه يعرف كل شيء بالفعل.
لا تبدأ رحلة التقدم دائمًا بإجابة عظيمة،
بل كثيرًا ما تبدأ بسؤال بسيط يجرؤ أحدهم على طرحه في الوقت المناسب.
لأن السؤال الجيد لا يكشف ما نعرفه فقط،
بل يكشف أيضًا ما لم نكن نعرف أننا نجهله.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق