فالاستهلاك سهل نسبيًا.
يمكن لأي دولة أن تستورد هاتفًا أو سيارة أو جهازًا طبيًا إذا امتلكت المال الكافي.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما تتغير الظروف أو ترتفع الأسعار أو تتعطل سلاسل الإمداد؟
هنا تظهر أهمية الإنتاج.
فالدول القوية اقتصاديًا ليست بالضرورة تلك التي تملك أكبر الموارد، بل تلك التي تستطيع تحويل ما لديها من موارد ومعرفة وعمالة إلى منتجات وخدمات ذات قيمة.
ولهذا السبب لا تقاس قوة الاقتصاد بعدد ما يشتريه، بل بقدرته على البيع والمنافسة والابتكار.
المشكلة أن الاستهلاك يمنح شعورًا سريعًا بالتقدم، بينما الإنتاج يحتاج سنوات من الاستثمار والتدريب والتطوير والصبر.
بناء مصنع أصعب من استيراد منتج،
وتطوير تقنية أصعب من شرائها،
وإنشاء صناعة قادرة على المنافسة عالميًا يحتاج جهدًا أكبر بكثير من الاعتماد على ما ينتجه الآخرون.
لكن العائد في النهاية مختلف تمامًا.
فالإنتاج لا يوفر السلع فقط، بل يخلق وظائف، وينقل المعرفة، ويزيد الخبرات، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الأزمات.
ولهذا نرى أن الدول التي ركزت على التصنيع والتكنولوجيا والتعليم الفني استطاعت خلال عقود قليلة أن تتحول من دول نامية إلى قوى اقتصادية مؤثرة.
ولا يعني ذلك أن تنتج الدولة كل شيء بنفسها، فذلك غير واقعي في عالم مترابط.
لكن المهم أن تمتلك مجالات تتفوق فيها، وصناعات تستطيع المنافسة بها، وقاعدة إنتاجية تمنحها قدرًا من الاستقلال والمرونة.
لا تُقاس قوة الأمم بما تستهلكه من منتجات العالم،
بل بما تضيفه هي إلى هذا العالم من معرفة وصناعة وإنتاج.
فالاستهلاك يحرك الاقتصاد لفترة،
أما الإنتاج فهو الذي يبني المستقبل.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق