الأربعاء، 3 يونيو 2026

حين تتكاثر الضغوط وتتساقط الأقنعة

د.سوهير الطويل 
استشاري نفسي واسري وتربوي 

في بعض مراحل الحياة، لا تكون المشكلة في كثرة الضغوط وحدها، بل في تزامنها مع خذلان من كنا نظن أنهم مصدر الأمان والدعم. حينها لا يشعر الإنسان أنه يحمل أعباء الحياة فقط، بل يشعر أنه يحملها وحيدًا.

من الناحية النفسية، تشير الدراسات إلى أن الإنسان يستطيع تحمل قدر كبير من الضغوط عندما يشعر بوجود شبكة دعم اجتماعي تحيط به. فالإحساس بأن هناك من يفهمك، ويساندك، ويقف إلى جوارك، يعمل كحاجز نفسي يخفف من آثار التوتر والقلق. لكن عندما يأتي الخذلان من أقرب الناس، فإن الألم يتضاعف؛ لأن الجرح لا يأتي من عدو، بل من شخص منحناه الثقة والأمان.

ولهذا نجد أن بعض الناس لا ينهارون بسبب المشكلة نفسها، بل بسبب الشعور بالوحدة أثناء مواجهتها. فالمرض يمكن احتماله، والفقر يمكن مقاومته، والصعوبات يمكن تجاوزها، لكن الإحساس بأن من وثقت بهم قد تخلوا عنك يترك أثرًا نفسيًا عميقًا قد يتمثل في الحزن، وفقدان الحماس، والشك في الآخرين، وأحيانًا الشك في الذات نفسها.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن المجتمعات الحديثة أصبحت أكثر سرعة وأكثر قسوة. تراجعت العلاقات العميقة لصالح العلاقات السطحية، وأصبح كثير من الناس مشغولين بصراعاتهم الخاصة، مما جعل الدعم الإنساني أقل مما كان عليه في السابق. لذلك يشعر كثيرون بأنهم محاطون بالناس لكنهم يفتقدون السند الحقيقي.

لكن وسط هذه الحقيقة المؤلمة، يقدم لنا الإيمان منظورًا مختلفًا. فالمؤمن يعلم أن الناس مهما عظم عطاؤهم فهم بشر، يضعفون ويقصرون ويتغيرون، أما الله سبحانه وتعالى فلا يخذل من لجأ إليه.

قال تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
[الشرح: 5-6].

ولم يقل الله بعد العسر يسرًا، بل قال: "مع العسر"، وكأن اليسر يولد في قلب المحنة نفسها.

وقال سبحانه:

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
[الطلاق: 3].

أي أن الله يكفيه ويؤيده ويهيئ له من الأسباب ما لا يتوقعه.

وفي الحديث الشريف قال رسول الله ﷺ:

«واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا».
رواه أحمد.

إن الضغوط لا تكشف ضعف الإنسان فقط، بل تكشف قوته أيضًا. ففي أوقات الشدة تتضح المعادن الحقيقية، ونعرف من يحبنا حقًا، ومن كان وجوده مجرد ظرف مؤقت. وربما يكون الخذلان مؤلمًا، لكنه أحيانًا يحررنا من أوهام كنا نعيش فيها، ويعيد ترتيب دوائر الثقة في حياتنا.

ولعل من أجمل الحكم المأثورة في هذا المعنى:

"إذا انكسرت بك الأسباب كلها، فاعلم أن الله يريد أن يوصلك إليه مباشرة."

وصدق من قال:
"ليست القوة أن تحمل كل شيء، بل أن تعرف إلى من تلجأ عندما يثقل الحمل."

قد تثقل الخطوات أحيانًا، وقد تتأخر الرحلة، وقد يخذلنا من ظننا أنهم السند، لكن المؤمن لا يقيس حياته بمن بقي معه من الناس، بل بمن بقي معه من الأمل، ومن الثقة بالله، ومن القدرة على النهوض بعد كل سقوط.

فالشدائد لا تأتي دائمًا لتكسرنا، بل قد تأتي لتعيد تشكيلنا في صورة أقوى، وأكثر نضجًا، وأكثر معرفة بحقيقة أنفسنا وحقيقة من حولنا.

هناك تعليق واحد:

Post Top Ad

Your Ad Spot