الثلاثاء، 16 يونيو 2026

في كل اقتصاد، هناك صورة تُعرض في التقارير الرسمية،

في كل اقتصاد، هناك صورة تُعرض في التقارير الرسمية، وأخرى تتحرك في الظل دون أن تظهر كاملة في الإحصاءات. هذا العالم الخفي لا يعني بالضرورة نشاطًا غير قانوني فقط، بل يشمل قطاعات غير مُسجَّلة بدقة، وحركة أموال وسلع وخدمات لا تنعكس بالكامل في البيانات الحكومية.
في إحدى اللحظات، قد تبدو مؤشرات النمو مستقرة، والبطالة تحت السيطرة، والتضخم في نطاق يمكن إدارته. لكن خلف هذه الأرقام، تتحرك شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية التي تمثل جزءًا كبيرًا من الواقع الفعلي، خاصة في الدول النامية.
يعمل ملايين الأشخاص خارج الإطار الرسمي: في التجارة الصغيرة، والخدمات اليومية، والعمل المؤقت غير المسجل. هؤلاء لا يظهرون دائمًا في الضرائب أو التأمينات أو الإحصاءات، لكنهم يشكلون جزءًا حيويًا من دورة الاقتصاد نفسه. ومن دونهم، لا يمكن فهم حجم الطلب الحقيقي أو طبيعة الاستهلاك في المجتمع.
المفارقة أن هذا الاقتصاد “الخفي” ليس دائمًا ضعيفًا أو هامشيًا، بل قد يكون أكثر ديناميكية من الاقتصاد الرسمي في بعض الحالات، لأنه أسرع في التكيف مع الأزمات، وأقل تعقيدًا من حيث الإجراءات والقيود.
لكن في المقابل، يشكل تحديًا كبيرًا للدولة. فكلما اتسعت الفجوة بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، تقلصت قدرة الحكومة على التخطيط الدقيق، وازدادت صعوبة تطبيق السياسات المالية والضريبية بشكل عادل وفعّال.
سياسيًا، يصبح هذا الاقتصاد مساحة حساسة؛ لأنه يعكس علاقة الثقة بين المواطن والدولة. فحين يشعر الأفراد أن الدخول في النظام الرسمي لا يحقق لهم فائدة كافية، يتجهون تلقائيًا إلى المساحة غير المنظمة، لا كخيار متمرد، بل كحل عملي للمعيشة.
وهكذا، لا يعود السؤال: كيف نُحصي الاقتصاد بدقة؟ بل يصبح: كيف نحول هذا الجزء غير المرئي إلى قوة مضافة بدلًا من كونه فجوة في التخطيط؟
يظل الاقتصاد الخفي مرآة لواقع أعمق من الأرقام؛ واقع تُكتب تفاصيله خارج الجداول، لكنه يحدد في كثير من الأحيان اتجاه الاقتصاد كله، صعودًا أو تعثرًا.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot