الأحد، 24 مايو 2026

في العالم الحديث، لم يعد الإنسان يعاني فقط من قلة الوقت، بل من تفتت الوقت نفسه.

في العالم الحديث، لم يعد الإنسان يعاني فقط من قلة الوقت، بل من تفتت الوقت نفسه.
فاليوم لم يعد يُستهلك في مهمة واحدة واضحة، بل يتوزع بين عشرات الأشياء الصغيرة التي تقطع التركيز باستمرار.

رسالة سريعة،
إشعار جديد،
مكالمة،
فيديو قصير،
ثم محاولة للعودة إلى العمل أو الدراسة مرة أخرى.

ومع الوقت، أصبح العقل ينتقل بسرعة بين المهام دون أن يحصل على فرصة حقيقية للتركيز العميق.

المشكلة أن الإنسان يشعر أحيانًا أنه قضى يومًا كاملًا في الحركة والانشغال، لكنه في النهاية لا يشعر بإنجاز حقيقي.
ليس لأنه لم يفعل شيئًا، بل لأن طاقته تفرقت على تفاصيل كثيرة استهلكته تدريجيًا.

الأخطر أن هذا التشتت المستمر يغيّر طريقة التفكير نفسها.
فالتركيز الطويل أصبح أصعب، والصبر على المهام التي تحتاج وقتًا وجهدًا ذهنيًا بدأ يقل عند كثير من الناس.

حتى القراءة العميقة أو الجلوس مع فكرة واحدة لفترة أصبح مرهقًا للبعض، لأن العقل اعتاد الانتقال السريع والمكافآت اللحظية التي تقدمها التطبيقات والمحتويات القصيرة.

ومع هذا الإيقاع، بدأ الإنسان يفقد شيئًا مهمًا جدًا:
القدرة على التعمق.

التعمق في التعلم،
وفي العلاقات،
وفي التفكير،
وحتى في فهم نفسه.

فكل شيء أصبح سريعًا ومختصرًا وقابلًا للتجاوز خلال ثوانٍ.

لكن أغلب الأشياء المهمة في الحياة لا تُفهم بهذه السرعة.
الخبرة تحتاج وقتًا، والفهم يحتاج تركيزًا، والعلاقات تحتاج حضورًا حقيقيًا لا مجرد وجود سريع ومتقطع.

ربما لا تكمن المشكلة في أن العالم أصبح أسرع فقط،
بل في أن عقل الإنسان لم يعد يجد وقتًا كافيًا ليتوقف عند شيء واحد… ويفهمه بعمق حقيقي.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot