الثلاثاء، 19 مايو 2026

قراءة في الإنتاج الفكري الخاص بأفريقية

بقلم/ سامي خاطر
مقالة اليوم بعنوان
تأثيرات الحرب الروسية  الأوكرانية على أفريقيا  
للأستاذ الدكتور/ مصطفى الخواص
المقالة منشورة في مجلة قراءات أفريقية العدد 58 ،10-2023 ص42- ص53
1- الإطار الاستراتيجي: إفريقيا في قلب التنافس الدولي الجديد
لم تعد القارة الإفريقية مجرد فاعل ثانوي متأثر بالنزاعات الدولية، بل تحولت إلى ساحة مركزية للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى الساعية لإعادة صياغة النظام العالمي. إن الاندفاع الروسي نحو إفريقيا، والذي تسارعت وتيرته كـ "رد فعل" استراتيجي على محاولات الاحتواء الغربي وضم القرم عام 2014، يرتكز على أرضية أيديولوجية مشتركة تتمثل في المناداة بـ "عالم متعدد الأقطاب". وقد نجحت موسكو في تعزيز نفوذ "سيادي" بالدرجة الأولى، مستهدفة "نقاط ارتكاز" حيوية في جنوب المتوسط والبحر الأحمر والمنافذ المائية الأساسية للنفاذ من أطراف العالم القديم إلى وسطه.
في المقابل، يظل الوجود الأوكراني في القارة "وظيفياً واقتصادياً" ومحصوراً في أبعاد دبلوماسية محدودة، حيث لا تمتلك كييف سوى 10 سفارات حالياً مع خطط للتوسع في 10 دول أخرى. هذا التباين البنيوي يوضح كيف أدى "التطويق الغربي" لروسيا إلى ارتمائها في أحضان القارة السمراء، محولة إياها إلى عمق استراتيجي يعوضها عن العزلة الدولية، وهو ما مهد الطريق لتحويل السلع الأساسية إلى أدوات ضغط جيوسياسي.
2- سلاح الغذاء والطاقة: تقييم الانكشاف الاقتصادي الإفريقي
تحولت الحبوب والأسمدة في ظل الصراع الراهن من سلع تجارية إلى "أدوات نفوذ"، مما كشف عن انكشاف هيكلي حاد للأمن الغذائي الإفريقي المرتبط عضوياً بحوض البحر الأسود. إن جودة السلع وأهميتها النوعية في استقرار الأنظمة تفوق بكثير وزنها المالي في الميزان التجاري العالمي.
جدول: الأوزان النسبية للطرفين في الاقتصاد العالمي وسلاسل الغذاء (حسب بيانات 2021-2022)
المؤشر روسيا الاتحادية أوكرانيا الإجمالي المشترك
الحصة من الناتج الإجمالي العالمي 2% )تعادل بلجيكا وهولندا( 0.2% 2.2%
الحصة من صادرات القمح العالمية - 10% 27%
الحصة من صادرات زيت عباد الشمس - 50% 53%
الحصة من صادرات الزيوت النباتية - 10% -
لقد أدت الحرب إلى موجة تضخمية رفعت أسعار النفط بنسبة 20% (بمتوسط 102.80 دولار للبرميل)، والقمح بنسبة 28%، والأسمدة بنسبة 22%. هذه الصدمة السعرية دفعت بنحو 15 مليون شخص إضافي (1.1% من سكان القارة) إلى براثن الفقر المدقع. وتبرز مصر كأكثر الدول تأثراً بالتبعية الغذائية، حيث تستورد 42% من احتياجاتها الغذائية الزراعية من أوكرانيا وحدها. وفي المقابل، تبرز جنوب إفريقيا كنموذج للصادرات ذات القيمة المضافة، بميزان تجاري يميل لصالحها عبر تصدير آلات ومركبات بقيمة 500 مليون دولار إلى روسيا. كما وظفت موسكو أدوات "اختراق سوقي" مبتكرة مثل مكتب "صنع في روسيا" بالقاهرة، مما ساهم في زيادة التجارة مع مصر بنسبة 30% في عام 2022.
3- الخصخصة الأمنية: دور "فاغنر" وإعادة تعريف التحالفات العسكرية
في ظل العزلة الدولية، اعتمدت موسكو استراتيجية "المقايضة السيادية"؛ حيث تغلغلت في الدول المعزولة سياسياً لتقديم الحماية مقابل النفاذ إلى الموارد الطبيعية الوفيرة. ولم تعد الشركات العسكرية الخاصة مجرد مقاول أمني، بل ذراعاً شبه رسمية لتنفيذ المصالح القومية الروسية.
تهيمن روسيا على 44% من حصة سوق الأسلحة في إفريقيا (حتى نهاية 2021)، حيث نقلت معدات عسكرية إلى 14 دولة إفريقية. وتبرز "مجموعة فاغنر" كأداة انتشار غير رسمي بـ 5000 عنصر في أكثر من 10 دول، مدعومة بآلات الدعاية الرقمية مثل "وكالة أبحاث الإنترنت" (IRA) و"جمعية البحث الحر" (AFRIC). إن هذا التحالف بين "أنظمة غير خاضعة للمساءلة" و"مرتزقة غير خاضعين للمساءلة" يؤدي إلى ترسيخ الجهات الفاعلة غير الليبرالية وتقويض النظام الدولي، مما يهدد بزيادة عدم استقرار المواطنين وتفجير صراعات وكالة ممتدة.
4- الاستقطاب السياسي والدبلوماسي: معضلة "الحياد الإيجابي"
كشف التصويت في الأمم المتحدة عن انقسام قاري حاد؛ حيث امتنعت 25 دولة إفريقية عن إدانة الغزو الروسي، متبنية مفهوماً جديداً لـ "عدم الانحياز". هذا الموقف يعكس موازنة دقيقة بين الضغوط الغربية والولاءات التاريخية لموسكو.
ومع ذلك، تواجه الشراكة مع روسيا تحديات "جودة" مستقبلاً؛ فمنع روسيا من التكنولوجيا الغربية وعزلها عن نظام "سويفت" سيجعل سلعها أقل تنافسية، وهو ما يفسر سعي موسكو لبناء أسطول من 150 سفينة شحن لتجاوز عقبات النقل والتأمين. هذا التراجع التقني قد يفتح ثغرة للدول الغربية لاستعادة نفوذها عبر تقديم "بدائل" أكثر تطوراً، رغم اتهامات روسيا للغرب بتوجيه الحبوب للدول الغنية على حساب إفريقيا، وهو ما عرقل جزئياً مبادرة "البعثة الإفريقية للسلام".
5- استراتيجيات المواجهة: من التبعية إلى السيادة والفرص الناشئة
تمثل "صدمة الحرب" محفزاً تاريخياً لتحويل إفريقيا من "طرف متلقٍ" إلى لاعب فاعل في أمن الطاقة العالمي. إن امتلاك القارة لـ 400 مليون هكتار من السافانا (يُستغل منها 10% فقط) يمنحها فرصة التحول إلى سلة غذاء عالمية إذا ما توفرت الإرادة السياسية.
• السيادة الغذائية والتجارية: تهدف منطقة التجارة الحرة القارية (AfCFTA) لتسهيل حركة 30 مليون طن من الأسمدة المنتجة إفريقياً (ضعف الاستهلاك الحالي)، مدعومة بخطط البنك الإفريقي للتنمية لاستثمار 10 مليارات دولار.
• خريطة الطاقة الجديدة: يمر أمن الطاقة الأوروبي الآن عبر "السيادة الإفريقية". تمتلك السنغال احتياطيات غاز تصل إلى 40 تريليون قدم مكعب، بينما تستعد تنزانيا لاستثمارات بقيمة 30 مليار دولار.
• الربط الاستراتيجي: يبرز مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء (بقيمة 13 مليار دولار) لربط غاز غرب إفريقيا بإيطاليا وإسبانيا عبر الجزائر، كإعادة رسم فعلية لخريطة الطاقة العالمية بعيداً عن الهيمنة الروسية.
الخاتمة: رؤية استشرافية لمستقبل الاستقرار القاري
تؤكد المعطيات أن التشابك الروسي مع القوى الإفريقية الكبرى أصبح واقعاً متجذراً يصعب فكه في المدى القصير، سواء في قطاع الطاقة النووية (محطة الضبعة بقيمة 20 مليار دولار) أو التسليح. ومع ذلك، فإن الدور الاقتصادي الروسي والأوكراني يظل محدوداً كمياً مقارنة بالصين والاتحاد الأوروبي.
إن القارة تقف اليوم أمام سيناريو "حرب باردة جديدة" قد تعيد زخم الانقلابات العسكرية والنزاعات الحدودية، خاصة في منطقة الساحل حيث يتنامى الوجود العسكري الهجين. إن "الحياد الإيجابي" ليس مجرد موقف دبلوماسي، بل هو "درع حماية" استراتيجي لمنع تحول القارة إلى ساحة حروب بالوكالة. إن نجاح إفريقيا في استثمار هذه الأزمة يعتمد كلياً على قدرة النخب الحاكمة على تفضيل "الحلول القارية" والتشبيك الإقليمي، واستغلال المشاعر المعادية للوجود الغربي لبناء سيادة حقيقية لا تستبدل تبعية بأخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot