أثارت واقعة الفريق كامل الوزير مع أحد المهندسين خلال متابعة أحد المشروعات حالة واسعة من الجدل، ليس بسبب الانفعال نفسه، بل لأن الواقعة كشفت مشكلة أعمق بكثير تتجاوز شخصًا بعينه أو موقفًا عابرًا.
المشكلة الحقيقية ظهرت عندما بدا واضحًا أن المهندس المسؤول لا يملك معرفة كافية بتفاصيل المشروع الذي يعمل عليه؛ لا المدن التي سيخدمها المشروع بشكل دقيق، ولا بعض المعلومات الفنية الأساسية المرتبطة به.
وهنا يصبح الأمر خطيرًا، لأننا لا نتحدث عن وظيفة عادية، بل عن مشروعات تُنفذ بمليارات الجنيهات من المال العام.
أي مشروع بنية تحتية أو تطوير أو نقل لا يعتمد فقط على المعدات والتمويل، بل يعتمد أولًا على كفاءة العنصر البشري الذي يديره ويتابع تنفيذه.
فالمهندس الذي لا يعرف تفاصيل مشروعه لن يستطيع تقييم المشكلات، أو توقع المخاطر، أو اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
والأخطر من ذلك أن ضعف الكفاءة لا تكون تكلفته معنوية فقط، بل اقتصادية أيضًا.
خطأ صغير في التنفيذ أو التخطيط داخل مشروع ضخم قد يعني إهدار ملايين الجنيهات، أو تأخير التنفيذ، أو انخفاض كفاءة المشروع بعد تشغيله.
ولهذا، فإن أي تهاون في اختيار أو إعداد الكوادر الفنية يتحول في النهاية إلى عبء تتحمله الدولة كلها.
وفي المقابل، ورغم حدة الموقف، كان لافتًا طريقة تعامل كامل الوزير بعد أن شعر بأن المهندس قد تأثر نفسيًا من الحديث.
فهنا ظهر جانب مهم في الإدارة، وهو أن الحزم لا يمنع الاحتواء الإنساني.
الرسالة الأساسية لم تكن الإهانة، بقدر ما كانت التأكيد على أن من يعمل داخل مشروع قومي يجب أن يكون ملمًا بكل تفاصيله، لأن المسؤولية هنا ليست شكلية، بل مسؤولية أمام دولة تنفق موارد ضخمة وتنتظر نتائج حقيقية.
المشكلة في كثير من المؤسسات ليست نقص الإمكانيات فقط، بل أحيانًا وجود أفراد في مواقع لا تناسب حجم المسؤولية التي يحملونها.
وهذا ما يجعل بعض المشروعات تدفع ثمن أخطاء بشرية كان يمكن تجنبها بالكفاءة والتدريب والمتابعة.
فالدول لا تخسر فقط بسبب قلة الموارد،
بل قد تخسر أكثر عندما تُدار مواردها بكفاءة أقل من المطلوب.
إن احترام التخصص والكفاءة ليس رفاهية إدارية، بل ضرورة اقتصادية.
لأن أي مشروع مهما كان حجمه، إذا تولاه شخص غير مؤهل، قد يتحول من فرصة للتنمية إلى باب واسع لإهدار المال العام.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق