الأحد، 10 مايو 2026

أصبحت المقارنة جزءًا يوميًا من حياة الناس

أصبحت المقارنة جزءًا يوميًا من حياة الناس، ليس فقط في مستوى المعيشة أو شكل الحياة، بل حتى في الإحساس بالنجاح نفسه.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل بآلاف الأشخاص الذين يرى أفضل لحظاتهم كل يوم.

المشكلة أن هذه المقارنات لا تبدو مؤذية في البداية.
مجرد صور لسيارات جديدة، سفر، مطاعم، نجاحات، أو أسلوب حياة يبدو مثاليًا.
لكن مع الوقت، يبدأ شعور داخلي بالتساؤل:
“لماذا الجميع يتقدم وأنا لا؟”

وهنا تبدأ واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والنفسية الحديثة:
الإنفاق بدافع المقارنة، لا بدافع الحاجة.

كثير من الناس لم يعودوا يشترون الأشياء لأنهم يحتاجونها فعلًا،
بل لأنهم يشعرون أنهم متأخرون اجتماعيًا إذا لم يفعلوا.
هاتف جديد، سيارة أعلى، ملابس أغلى، أو حتى أماكن الخروج… كلها تتحول أحيانًا إلى محاولة للحاق بصورة معينة أمام الآخرين.

والأخطر أن هذا السلوك لا يصيب الأغنياء فقط، بل يضغط بقوة على الطبقة المتوسطة تحديدًا، لأنها الفئة الأكثر سعيًا للحفاظ على شكل اجتماعي معين رغم الضغوط الاقتصادية.

فيتحول جزء كبير من الدخل إلى محاولة “إثبات” أكثر من كونه وسيلة للعيش أو الاستقرار.

ومع الوقت، تظهر النتائج:
ديون، تقسيط، ضغط نفسي، وشعور دائم بعدم الرضا مهما زاد الإنفاق، لأن المقارنة نفسها لا تنتهي.

ففي كل مرة يصل الإنسان إلى مستوى معين، يرى مستوى أعلى منه مباشرة.

المفارقة أن كثيرًا مما يراه الناس على الإنترنت ليس الحقيقة الكاملة أصلًا.
فوسائل التواصل تعرض النتائج النهائية فقط، لا الضغوط، ولا الديون، ولا المشاكل التي قد تكون خلف الصورة.

لكن العقل يتعامل مع المشهد وكأنه الواقع الطبيعي الذي يجب الوصول إليه.

وفي النهاية يتحول الاقتصاد الاستهلاكي من تلبية احتياجات البشر… إلى استغلال شعورهم بالنقص والمقارنة المستمرة.

ولهذا، ربما لم تعد المشكلة الحقيقية في قلة ما نملك،
بل في أننا أصبحنا نرى ما يملكه الآخرون طوال الوقت.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot