أصبحت ثقافة السلامة والأمان في مصر واحدة من أكثر القضايا التي تكشف حجم المشكلة بين ما هو “مفترض” وما يحدث على أرض الواقع.
ففي كثير من الأحيان، لا يكون الخطر ناتجًا عن نقص الإمكانيات فقط، بل عن الاستهانة نفسها بفكرة الخطر.
في الشارع، وفي المصانع، وورش العمل، والمباني، وحتى داخل المنازل، يمكن ملاحظة نفس السلوك المتكرر:
القواعد موجودة أحيانًا… لكن الالتزام بها ضعيف، وكأن إجراءات السلامة مجرد رفاهية أو تعقيد زائد لا ضرورة له.
عامل يرتفع إلى أدوار عالية بلا وسائل حماية،
أسلاك كهرباء مكشوفة يتعامل معها الناس بشكل يومي،
سيارات تسير عكس الاتجاه،
ورش مليئة بمواد قابلة للاشتعال دون أي تجهيزات حقيقية للإطفاء،
ومخارج طوارئ تُغلق أو تُستخدم كمخازن.
المشكلة الأخطر أن كثيرًا من الناس لا يتحركون إلا بعد وقوع الكارثة.
وقبلها، يُنظر إلى من يطالب بالالتزام بإجراءات السلامة وكأنه يبالغ أو “يعقّد الأمور”.
وهنا يظهر الخلل الحقيقي:
غياب ثقافة الوقاية نفسها.
في دول كثيرة، تُعتبر السلامة جزءًا أساسيًا من أي نشاط اقتصادي أو اجتماعي، لأن تكلفة الوقاية دائمًا أقل من تكلفة الكارثة.
أما في البيئة المصرية، فغالبًا ما يتم التعامل مع السلامة باعتبارها بندًا يمكن تجاهله لتوفير المال أو الوقت.
والنتيجة ليست فقط حوادث أو خسائر بشرية، بل خسائر اقتصادية أيضًا.
كل حادث كبير يعني تعطّل عمل، وخسائر مادية، وعلاجًا، وتعويضات، وربما فقدان مصدر رزق كامل لأسر كثيرة.
كما أن غياب ثقافة الأمان ينعكس على صورة بيئة العمل والاستثمار نفسها.
فأي دولة تريد جذب استثمارات حقيقية تحتاج إلى بيئة منظمة تحترم قواعد السلامة وتحافظ على العامل والعميل والمواطن.
لكن المشكلة الأعمق أن الاستهتار أصبح عند البعض سلوكًا يوميًا معتادًا.
عدم الالتزام يُنظر إليه أحيانًا باعتباره “شطارة”،
وتجاوز القواعد يُعتبر سرعة وإنجازًا،
إلى أن تقع الكارثة، فيبدأ الجميع في التساؤل: كيف حدث ذلك؟
الحقيقة أن الكوارث لا تأتي فجأة،
بل تبدأ دائمًا بتفصيلة صغيرة تم تجاهلها، وتحذير لم يؤخذ بجدية، وقاعدة اعتبرها البعض غير مهمة.
ولهذا، فإن أزمة السلامة في مصر ليست أزمة أدوات فقط، بل أزمة وعي وثقافة قبل أي شيء آخر.
لأن المجتمع الذي يستهين بالخطر يوميًا،
لن ينجو من دفع ثمن هذا الاستهتار عاجلًا أم آجلًا.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق