بقلم/ عاشقة الوطن سحر غانم
لم تعد الدراما مجرد وسيلة للترفيه أو قضاء وقت الفراغ، بل أصبحت واحدة من أخ طر أدوات التأثير في تشكيل وعي المجتمعات، وصياغة مفاهيمها، بل وإعادة ترتيب أولوياتها الأخلاقية والسلوكية. فالدراما اليوم لا تُشاهَد فقط… بل تُمتص، وتُعاد ترجمتها داخل العقول والسلوكيات.
أولًا: الدراما كمرآة… أم كصانع واقع؟
يُقال دائمًا إن الدراما تعكس الواقع، لكن الحقيقة الأكثر دقة أنها لم تعد تعكسه فقط، بل أصبحت تصنعه.
حين يتم تكرار نموذج معين — كشخصية الفاسد الناجح، أو الخائن الذي لا يُعاقب، أو المرأة التي تُختزل في مظهرها — فإن هذه النماذج لا تمر مرور الكرام، بل تتحول تدريجيًا إلى أنماط مألوفة، ثم مقبولة، ثم قابلة للتقليد.
وهنا تكمن الخطورة:
الدراما لا تغيّر القيم بشكل مباشر… بل تُعيد تعريف "العادي".
ثانيًا: التأثير النفسي العميق… دون وعي المشاهد
المتلقي لا يجلس أمام العمل الفني بعقل نقدي دائمًا، بل غالبًا ما يكون في حالة استرخاء نفسي، مما يجعله أكثر قابلية للتأثر.
ومع التكرار، يحدث ما يُعرف بـ"التطبيع النفسي"، حيث يبدأ الفرد في تقبّل سلوكيات كان يرفضها سابقًا، فقط لأنه رآها كثيرًا.
الأخطر من ذلك، أن بعض الأعمال تُقدّم الانحراف في صورة جذابة، أو تُبرره نفسيًا، مما يخلق تعاطفًا مع السلوك الخاطئ بدلًا من رفضه.
ثالثًا: تشكيل الأجيال… ببطء وعمق
الأطفال والمراهقون هم الفئة الأكثر تأثرًا بالدراما، لأنهم في مرحلة بناء الهوية.
حين يشاهد الطفل نموذجًا متكررًا للبطل العنيف، أو الفتاة التي تُقاس قيمتها بجمالها فقط، فإنه لا يرى ذلك كخيال… بل كمعيار.
ومع الوقت، تتحول الشاشة إلى "مُربٍ خفي"، يزرع القيم دون استئذان.
رابعًا: بين التوعية والتشويه
لا يمكن إنكار أن للدراما دورًا إيجابيًا مهمًا، حين تُستخدم بوعي ومسؤولية.
فهي قادرة على تسليط الضوء على قضايا مسكوت عنها، ورفع الوعي المجتمعي، وتحفيز النقاش حول مشكلات حقيقية.
لكن المشكلة لا تكمن في الدراما كأداة… بل في كيفية استخدامها:
هل تُقدّم الحقيقة بعمق؟ أم تُسطّحها لتحقيق الإثارة؟
هل تُعالج المشكلة؟ أم تستثمر فيها؟
خامسًا: مسؤولية مشتركة
التأثير لا يقع فقط على صانع العمل، بل يمتد إلى المتلقي أيضًا.
فالمشاهد الواعي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يُحلل، ويُفرّق، ويضع حدودًا لما يقبله وما يرفضه.
كما أن المؤسسات التربوية والإعلامية مطالبة بدورها في توجيه الوعي، وليس تركه فريسة لما يُعرض دون تمحيص.
خاتمة
الدراما سلاح ذو حدين…
يمكن أن تبني وعيًا، أو تهدمه.
يمكن أن ترتقي بالقيم، أو تُعيد تشكيلها بشكل مشوّه.
وفي زمن أصبحت فيه الشاشة أقرب إلى الناس من أي مصدر آخر، لم يعد السؤال:
"ماذا نشاهد؟"
بل الأهم:
"كيف يؤثر ما نشاهده فينا… دون أن نشعر؟"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق