الأربعاء، 27 مايو 2026

الإسكندرية ورسائل ماكرون.. هل تدخل أفريقيا عصر الشراكات الجديدة؟

✍️ بقلم: طه المكاوي
لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron إلى مصر، وما تضمنته من جولات ولقاءات في مدينة Alexandria، مجرد تحرك دبلوماسي تقليدي بين دولتين تربطهما علاقات تاريخية ممتدة، بل بدت أقرب إلى محاولة سياسية وفكرية لإعادة تعريف شكل العلاقة بين فرنسا والقارة الأفريقية في لحظة دولية شديدة التعقيد.
فالعالم يتغير بسرعة، وأفريقيا لم تعد تلك القارة التي يُنظر إليها باعتبارها مجرد ساحة نفوذ أو منطقة للمساعدات الدولية، بل أصبحت لاعبًا اقتصاديًا وسياسيًا وديموغرافيًا لا يمكن تجاهله. وفي المقابل، تدرك فرنسا أن استمرار حضورها وتأثيرها في أفريقيا لن يتحقق بالأدوات القديمة، وإنما عبر خطاب جديد وشراكات مختلفة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ومن هنا يمكن فهم الطابع الرمزي الكبير لزيارة ماكرون إلى الإسكندرية تحديدًا، المدينة التي تختصر في ذاكرتها تاريخًا طويلًا من التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب، وبين المتوسط وأفريقيا. فالإسكندرية ليست مجرد مدينة مصرية ساحلية، بل مساحة ثقافية تحمل رمزية الانفتاح والتنوع والتواصل الإنساني.
زيارة Senghor University كانت واحدة من أهم رسائل هذه الجولة. فاختيار مؤسسة تعليمية فرنكوفونية تحتضن طلابًا من مختلف الدول الأفريقية يعكس إدراكًا متزايدًا بأن معركة النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم تعد عسكرية أو سياسية فقط، بل أصبحت معركة معرفة وتعليم وثقافة وتكنولوجيا.
وأعتقد أن أخطر ما أدركته القوى الكبرى مؤخرًا هو أن الشباب الأفريقي لم يعد يفكر بعقلية الأجيال السابقة. فجيل اليوم يريد فرص عمل، وتعليمًا حديثًا، واقتصادًا رقميًا، وشراكات حقيقية تمنحه القدرة على المنافسة عالميًا، وليس مجرد خطابات سياسية أو مساعدات مؤقتة.
لهذا بدت اللقاءات التي جمعت الرئيسين Abdel Fattah el-Sisi وEmmanuel Macron مع الطلاب والخريجين أكثر أهمية من كثير من الاجتماعات الرسمية، لأنها عكست بوضوح أن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة سيكون على الإنسان، لا فقط على الاتفاقيات.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أي حديث عن شراكة جديدة بين فرنسا وأفريقيا سيظل مرتبطًا بقدرة باريس على تجاوز إرث الماضي الاستعماري، ليس فقط عبر الاعتراف الرمزي، بل من خلال سياسات أكثر عدالة وتوازنًا.
فالقارة الأفريقية اليوم أصبحت أكثر وعيًا بحقوقها ومصالحها، وأكثر قدرة على تنويع شراكاتها الدولية، في ظل الحضور المتزايد لقوى عالمية جديدة مثل الصين وروسيا وتركيا والهند، إلى جانب تنامي الدور العربي داخل أفريقيا.
ومن هنا، فإن فرنسا تواجه اختبارًا حقيقيًا: هل تستطيع الانتقال من عقلية النفوذ التقليدي إلى مفهوم الشراكة المتكافئة؟ وهل يمكن بناء علاقة جديدة لا يشعر فيها الأفارقة بأنهم مجرد امتداد لمصالح خارجية؟
في تقديري، الإجابة ستتوقف على طبيعة المشروعات التي سيتم تنفيذها على أرض الواقع، وليس فقط على الكلمات الدبلوماسية. فالشعوب لم تعد تقيس العلاقات الدولية بالشعارات، بل بمدى تأثيرها المباشر على حياتها اليومية.
ولهذا تحمل ملفات مثل التعليم، والتحول الرقمي، والطاقة النظيفة، وريادة الأعمال، أهمية استراتيجية في أي علاقة مستقبلية بين فرنسا وأفريقيا. فهذه المجالات هي التي ستحدد من ينجح في كسب ثقة الأجيال الجديدة.
كما أن عرض نتائج أعمال التنقيب الأثري الفرنسي المصري الخاصة بـ Lighthouse of Alexandria، وزيارة Citadel of Qaitbay، لم يكونا مجرد فقرتين ثقافيتين في برنامج الزيارة، بل رسالة تؤكد أن التاريخ يمكن أن يتحول إلى جسر للتعاون لا إلى عبء يعرقل المستقبل.
وفي رأيي، فإن مصر تلعب هنا دورًا مهمًا للغاية، ليس فقط باعتبارها شريكًا إقليميًا لفرنسا، بل بوصفها دولة تمتلك موقعًا جغرافيًا وثقلًا سياسيًا وثقافيًا يجعلها قادرة على أن تكون نقطة توازن في العلاقات بين أوروبا وأفريقيا.
فالقاهرة تدرك جيدًا أن مستقبل المنطقة لن يُبنى بالصراعات أو الاستقطابات، بل عبر شبكات تعاون اقتصادية وثقافية وتنموية أوسع، وهو ما ظهر بوضوح في طبيعة الرسائل التي حملتها الزيارة.
وفي النهاية، تبدو زيارة ماكرون إلى الإسكندرية وكأنها محاولة لفتح صفحة جديدة في كتاب العلاقات الفرنسية الأفريقية، لكن نجاح هذه الصفحة سيعتمد على ما إذا كانت ستتحول إلى سياسات حقيقية تخدم الشعوب، أم ستظل مجرد لحظة دبلوماسية عابرة.
فالقرن الجديد لا يعترف بمنطق الهيمنة القديمة، وأفريقيا اليوم لم تعد تبحث عن من يتحدث باسمها، بل عن شركاء يحترمون طموحاتها ويؤمنون بحقها في صناعة مستقبلها بنفسها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot