التنوع الثقافي بوابة التنمية العربية الجديدة
مصر وموريتانيا.. حين يتحول الحوار الثقافي إلى مشروع للمستقبل
✍️ بقلم: طه المكاوي
في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، لم تعد الثقافة مجرد نشاط نخبوي أو مساحة للترفيه والتعبير الفني، بل أصبحت ركيزة أساسية من ركائز التنمية الشاملة، وأداة استراتيجية لبناء الوعي وتعزيز الهوية وتحقيق التماسك المجتمعي. ومن هنا تأتي أهمية الندوة التي نظمها المنتدى المصري الموريتاني للتعاون والصداقة بالتعاون مع منتدى حوار الشباب، تحت عنوان “التنوع الثقافي والتنمية: رؤيتان شبابيتان مصرية وموريتانية”، بالتزامن مع احتفال اليونسكو باليوم العالمي للتنوع الثقافي للحوار والتنمية.
الندوة لم تكن مجرد لقاء ثقافي عابر، بل عكست إدراكًا متزايدًا لدى النخب الفكرية والشبابية العربية بأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بعيدًا عن الثقافة، وأن الصناعات الإبداعية أصبحت اليوم من أهم أدوات الاقتصاد الحديث والقوة الناعمة في العالم.
الثقافة لم تعد ترفًا
التحول العالمي نحو الاقتصاد الإبداعي جعل الدول الكبرى تنظر إلى الثقافة باعتبارها موردًا اقتصاديًا واستثماريًا قادرًا على خلق فرص العمل وتحريك الأسواق وتعزيز صورة الدول خارجيًا. ولم يعد الحديث عن السينما أو الموسيقى أو التراث أو الفنون الشعبية مجرد حديث عن “الهوية”، بل أصبح حديثًا عن استثمارات وعوائد مالية وأسواق عالمية.
وفي هذا السياق، جاءت أوراق العمل التي طُرحت خلال الندوة لتؤكد أن مصر وموريتانيا تمتلكان مخزونًا حضاريًا وثقافيًا هائلًا يمكن تحويله إلى قوة اقتصادية حقيقية إذا توافرت الرؤية والدعم والتمويل.
حديث صلاح ناصر حول الصناعات الإبداعية في مصر كشف بوضوح أن الدولة المصرية بدأت بالفعل تدرك أهمية هذا القطاع ضمن “رؤية مصر 2030”، خاصة مع الاهتمام المتزايد بالتراث والحرف اليدوية والفنون وصناعة المحتوى الثقافي. لكن التحدي الأكبر يظل في كيفية تحويل هذه الرؤية إلى بيئة حقيقية تسمح للشباب بالإبداع والإنتاج والمنافسة.
فالطاقة الإبداعية لدى الشباب العربي ضخمة، لكنها كثيرًا ما تصطدم بضعف التمويل، وتعقيدات البيروقراطية، وغياب الحماية الكافية للملكية الفكرية، وهي أزمة لا تخص مصر وحدها بل تمتد إلى أغلب الدول العربية.
موريتانيا.. كنز ثقافي يحتاج إلى اكتشاف
ما طرحه الباحث الموريتاني محمد معط الله يعكس حقيقة مهمة، وهي أن موريتانيا تمتلك ثراءً ثقافيًا وإنسانيًا كبيرًا ربما لا يعرفه كثير من العرب بالشكل الكافي. فهذه الدولة التي تجمع بين العمق العربي والامتداد الأفريقي تمتلك تراثًا شفهيًا وشعريًا وفنيًا شديد الخصوصية، ويمكن أن تتحول إلى مركز ثقافي مهم إذا تم الاستثمار الصحيح في هذا الإرث الحضاري.
ولعل اللافت أن المتحدثين الموريتانيين خلال الندوة ركزوا على فكرة الربط بين الثقافة والتنمية الاقتصادية، وهي نقطة بالغة الأهمية. فالعالم اليوم لا يقيس قوة الدول فقط بحجم جيوشها أو اقتصادها التقليدي، بل أيضًا بقدرتها على تصدير ثقافتها وصورتها الحضارية.
ومن هنا تبدو الصناعات الإبداعية فرصة حقيقية أمام الشباب الموريتاني، سواء في مجالات الحرف التراثية أو الموسيقى أو الأدب أو الإنتاج البصري، خاصة مع التطور التكنولوجي الذي أتاح للعالم بأكمله أن يتحول إلى منصة مفتوحة لعرض الإبداع.
القوة الناعمة العربية في مواجهة التحديات
الندوة حملت أيضًا رسالة أعمق تتعلق بمفهوم “القوة الناعمة” العربية. فالدكتور حسام عقل كان محقًا عندما أكد أن الحضارة تبدأ بفكرة وإبداع، لأن الأمم التي تفقد قدرتها على إنتاج الثقافة تصبح أكثر عرضة للذوبان والتبعية.
العالم العربي اليوم يواجه تحديات ضخمة تتعلق بالهوية والتشويه الثقافي والانغلاق الفكري، في وقت أصبحت فيه المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة أدوات شديدة التأثير في تشكيل وعي الأجيال الجديدة. ولذلك فإن الاستثمار في الثقافة لم يعد خيارًا، بل ضرورة أمن قومي وفكري.
ومن اللافت أن أغلب المشاركين شددوا على أهمية الإعلام في تعزيز التقارب الثقافي بين الشعوب العربية، وهو أمر بالغ الأهمية. فالكثير من المجتمعات العربية لا تعرف عن بعضها البعض إلا القليل، رغم ما يجمعها من تاريخ ولغة ومصير مشترك.
هنا يظهر الدور المحوري لمصر باعتبارها واحدة من أهم مراكز التأثير الثقافي والإعلامي في العالم العربي. فمصر، بما تمتلكه من تاريخ سينمائي وإعلامي وأدبي، تستطيع أن تكون جسرًا حقيقيًا للتعريف بالثقافات العربية المختلفة، ومنها الثقافة الموريتانية التي تستحق حضورًا أوسع عربيًا.
الشباب يصنعون الجسور الجديدة
أهم ما ميز هذه الندوة أنها أعطت مساحة حقيقية للشباب لطرح رؤاهم وأفكارهم، بعيدًا عن الخطابات التقليدية. فالشباب العربي اليوم لم يعد يريد مجرد شعارات عن الوحدة الثقافية، بل يبحث عن مشاريع عملية وفرص حقيقية للتعاون والإنتاج المشترك.
ومن هنا فإن المنتديات الثقافية الشبابية يمكن أن تتحول إلى منصات مؤثرة لصناعة المستقبل العربي إذا تم دعمها بشكل مؤسسي وإعلامي أكبر. فالحوار الثقافي ليس ترفًا فكريًا، بل وسيلة لتقليل الفجوات وبناء الثقة وتعزيز الانتماء العربي المشترك.
كما أن الربط بين الصناعات الإبداعية والمبادرات التنموية مثل “حياة كريمة” يعكس فهمًا أكثر نضجًا لمعنى التنمية، باعتبارها عملية متكاملة تشمل الاقتصاد والثقافة والتعليم والوعي المجتمعي.
ما بعد الندوة
النجاح الحقيقي لأي فعالية ثقافية لا يقاس بعدد الكلمات أو الحضور، بل بقدرتها على خلق مسار مستدام للحوار والتعاون. والسؤال الأهم الآن: كيف يمكن تحويل هذه الأفكار إلى مشروعات حقيقية؟
الطريق يبدأ من دعم الإنتاج الثقافي المشترك، وتوسيع التبادل الإعلامي والفني بين مصر وموريتانيا، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في المبادرات الثقافية والإبداعية، إلى جانب تطوير التعليم الفني والثقافي وربطه بسوق العمل.
كما أن هناك حاجة ملحة لإطلاق منصات رقمية عربية مشتركة تتيح للشباب عرض إبداعاتهم والتواصل مع الجمهور العربي بعيدًا عن الهيمنة الأجنبية على المحتوى الثقافي والإعلامي.
الثقافة تصنع المستقبل
في النهاية، أكدت الندوة أن الثقافة ليست هامشًا في مشروع الدولة الحديثة، بل قلب المشروع نفسه. فالأمم التي تحافظ على تنوعها الثقافي وتستثمر في إبداع شبابها تكون أكثر قدرة على التنمية والاستقرار ومواجهة التحديات.
ومصر وموريتانيا، رغم اختلاف الجغرافيا، تمتلكان فرصة مهمة لبناء نموذج عربي جديد يقوم على الحوار الثقافي والتعاون الإبداعي وتبادل الخبرات، وهو ما قد يفتح الباب أمام شراكات عربية أوسع تعيد للثقافة دورها الحقيقي في صناعة المستقبل.
فالاقتصاد قد يبني المدن، لكن الثقافة وحدها هي التي تبني الإنسان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق