في كل مرة يتقدم فيها العالم تكنولوجيًا، يعتقد الناس أن المشكلات القديمة ستختفي تلقائيًا.
لكن ما يحدث غالبًا هو أن التكنولوجيا تحل بعض الأزمات… ثم تصنع تحديات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
فالإنسان اليوم يملك وسائل راحة واتصال ومعرفة لم تكن متاحة لأي جيل سابق، ومع ذلك ترتفع معدلات القلق والتوتر والشعور بالضغط النفسي بشكل واضح.
المشكلة أن التطور التكنولوجي كان أسرع بكثير من قدرة الإنسان النفسية على التكيف معه.
العقل البشري لم يُخلق ليستقبل هذا الكم من الأخبار، والمقارنات، والتنبيهات، والقرارات يوميًا دون توقف.
ومع الوقت، بدأ الإنسان يعيش في حالة استنزاف ذهني مستمر حتى لو لم يشعر بذلك مباشرة.
في الماضي، كانت حياة الإنسان أبطأ نسبيًا.
المعلومات محدودة، والمقارنات أقل، والعلاقات أكثر مباشرة ووضوحًا.
أما اليوم، فأصبح الفرد يقارن نفسه بآلاف الأشخاص يوميًا دون أن ينتبه.
كما أن الإنترنت نقل الإنسان من بيئته الصغيرة إلى عالم ضخم مليء بالنجاحات والآراء والضغوط المختلفة، حتى أصبح الإحساس بالتأخر أو النقص شعورًا شائعًا عند كثيرين.
الأخطر أن التكنولوجيا لم تغيّر فقط طريقة العمل أو التواصل،
بل غيّرت طريقة التفكير والانتباه نفسها.
التركيز أصبح أضعف،
والصبر أقل،
والعقل اعتاد الجرعات السريعة من المحتوى والمعلومات، حتى صار التعمق أو الهدوء أمرًا مرهقًا للبعض.
لكن المفارقة أن نفس التكنولوجيا التي تسببت في هذا الضغط، يمكن أن تكون أداة عظيمة إذا استُخدمت بوعي.
فهي تمنح فرصًا هائلة للتعلم والعمل والتواصل، لكن المشكلة ليست في الأداة نفسها، بل في طريقة استخدامها وحدودها.
ربما لا يكون التحدي الحقيقي في المستقبل هو امتلاك التكنولوجيا فقط،
بل القدرة على استخدامها دون أن تستهلك انتباه الإنسان وراحته وحياته بالكامل.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق