بقلم ا/ هبة نبيل خليل.
من قال أن هذا الحبّ وهم؟!
أضاءت أنوار المطعم الفاخر، عاكسة بريق المجوهرات ودفء الابتسامات على وجوه رواد المكان، وعلى تلك الطاولة الفارهة، كانت الأضواء المسلطة من سقف المطعم تعكس بريق أزرار حسام المذهبة، وكأنها تروس في آلة حديثة شديدة الدقة، بينما بدت ليلي بفستانها الزاهي كفراشة حُبست في إطار من الكريستال.
وضع حسام هاتفه الأحدث طرازاً بينهما كحاجزٍ صامت بينهما ، وبدأ يقلب في القائمة ببرودٍ "عصري". كانت ليلي تبتسم، استرجعت ذكريات لطيفة لهما، ضحكت برقة وهي تقول: "أتذكر حين تعطلت السيارة في المطر وكنتَ تصر على إصلاحها بنفسك؟ شعرتُ وقتها أن العالم كله لا يجرؤ على مساسي وأنت معي."
لم يرفع حسام عينه عن القائمة، بل أجاب بلهجة متكلفة جافة: "نعم، كانت مغامرة مكلفة، تماماً كفستانك هذا الذي اقتطعتِ ثمنه من راتب الشهر الماضي.. هل قررتِ ماذا ستطلبين؟ لا تسرفي في الأصناف، فنفقات المنزل هذا الشهر فاقت التوقعات."
في تلك اللحظة، انطفأ البريق في عيني ليلي. سقطت الكلمات على روحها كحفنة من تراب بارد. فجأة، لم يعد للفستان المزركش أي بهاء، ولا للحذاء الأحمر زهوة؛ شعرت بأنها "جسد بلا روح.
أرادت أن تخبره بأنها لا تجوع للطعام الفاخر، بل تجوع لذاك "الأمان" الذي يجعله ينفق من فيض اهتمامه قبل ماله، وبأن رجولته التي تلمع في أزرار قميصه لا تعني لها شيئاً إن لم تكن "حضناً" يحميها من مخاوفها النفسية."
أمسكت القائمة بمرارة، وهي تراقب أصابعه التي تداعب الشاشة بلهفة تفوق لهفته لسماع صوت رجفة قلبها: "يا حسام، إن القوامة التي أبحث عنها ليست في دفع الفواتير أو اقتناء الساعات، بل في سجدة طمأنينة أصليها خلف ظهرك، وفي يقين بأنني حين أتعثر، لن تجرد قائمة حسابك لتعد لي عثراتي.
انسحبت ليلي تماماً. لم تلتفت خلفها، ولم تسمع وقع خطواتها فوق السجاد الفاخر، فقد كان ضجيج الصمت في رأسها يطغى على كل شيء. ظلّ حسام مكانه، متصلباً علي كرسيه .
نظر إلى المقعد الخالي أمامه، ثم مدّ يده إلى كأس الماء، لكنه توقف في منتصف الطريق، كانت الأسورة الفضية التي تركتها ليلي لا تزال جاثمة هناك.
في الخارج، كانت السماء قد بدأت تمطر. وقف حسام خلف الواجهة الزجاجية الكبيرة للمطعم، رأى طيف ليلي يبتعد تحت المطر، دون مظلة، ودون أن تسرع في خطاها. لم يحاول اللحاق بها، لكنه لم يعد يقلب في هاتفه أيضا. انعكست صورته على الزجاج، بدا رجلاً يملك كل "أدوات" الحياة، لكنه يقف خلف حاجزٍ لا ينفذ منه الهواء. هل سيكسر الزجاج ويلحق بها ليعيد ترميم ما تحطم بكلمة "آسف" صادقة؟! أم سيكتفي بطلب الفاتورة، ويدفع ثمن العشاء، ويغادر وحيداً ليحافظ على "هيبته" المادية أمام نفسه؟! ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق