الاثنين، 18 مايو 2026

أوفُوا بالعُهود ....في زمن عز فيه الصدق

د.سوهير الطويل
 استشاري نفسي واسري 

في هذا الزمن المزدحم بالكلمات… أصبح الصادق نادرًا، وأصبح الوفاء بالعهد عملةً أثمن من الحب نفسه.
فالناس لم تعد تُجرَح فقط بالخيانة الصريحة، بل بما هو أقسى منها أحيانًا… بالوعود التي تُقال بسهولة، ثم تُترك معلّقة في الهواء كأنها لم تكن.

كم من قلبٍ دخل علاقة مطمئنًا لأنه سمع: “أنا معك دائمًا”
“لن أتركك”
“أنت الأهم”
ثم اكتشف بعد فترة أن بعض البشر يقولون الكلام الجميل كما يتنفسون… بلا مسؤولية، ولا وعي بحجم الأثر الذي يتركونه داخل الآخرين.

أوفُوا بالعُهود…
فالكلمة ليست لعبة.
والقلوب ليست ساحات تجارب مؤقتة.
ومن يمنح الأمان لإنسان، ثم ينتزعه فجأة دون تفسير، لا يدرك أنه ربما يترك داخله ندبةً تبقى لسنوات.

ليست المشكلة في انتهاء العلاقات، فحتى المشاعر قد تتغير، والبشر قد تتباعد طرقهم، وهذه طبيعة الحياة.
لكن المشكلة الحقيقية في الطريقة التي يرحل بها البعض…
في الاختفاء المفاجئ، في البرود القاسي بعد القرب، في الصمت الذي يأتي بلا تفسير، وكأن الطرف الآخر لم يكن يومًا روحًا تشاركهم التفاصيل والوقت والمشاعر.

الإنسان الناضج لا يهرب من المواجهة.
إذا تغيّرت مشاعره يتحدث.
إذا لم يعد قادرًا على الاستمرار يوضح.
إذا أراد الرحيل يعتذر ويرحل بكرامة.
أما أن يختفي تاركًا خلفه أسئلة لا تنتهي، فهذا ليس حرية شخصية كما يظن البعض، بل شكل من أشكال القسوة النفسية والتنصل من المسؤولية الإنسانية.

هناك أشخاص يهدمون ثقة الآخرين بأنفسهم دون أن يشعروا.
يجعلون الطرف الآخر يقف طويلًا أمام المرآة يسأل: “أين أخطأت؟”
“هل كنت قليل القيمة؟”
“هل كان كل ما قيل مجرد وهم؟”

بينما الحقيقة أحيانًا أن المشكلة ليست في الطرف الذي أحب بصدق… بل فيمن اعتاد الكلام أكثر من تحمّل معنى الكلام.

أوفُوا بالعُهود…
فالعهد ليس فقط وعد حب، بل وعد احترام، ووضوح، ورحمة، وحسن ختام.
حتى الرحيل له أخلاق.
وحتى الاعتذار قيمة إنسانية لا يُتقنها إلا أصحاب النفوس النبيلة.

ليس عيبًا أن تنتهي المشاعر، لكن العيب أن يتحول الإنسان إلى جرحٍ في ذاكرة من وثق به.
ليس ضعفًا أن تقول: “لم أعد قادرًا على الاستمرار.”
لكن الضعف الحقيقي أن تختفي لأنك لا تملك شجاعة المواجهة.

بعض الناس يظنون أن الكرامة في الصمت والهروب، بينما الكرامة الحقيقية في الوضوح.
في أن تترك الآخرين وهم قادرون على الفهم، لا غارقين في الحيرة والخذلان.

أوفُوا بالعُهود…
فليست كل القلوب قادرة على ترميم نفسها بسهولة، وليس كل من ابتسم بعد كسرةٍ قد تعافى فعلًا.

ولأن الكلمة أمانة…
فلا تمنح عهدًا لا تستطيع حمله، ولا تمنح قلبًا طمأنينةً مؤقتة ثم تتركه وحيدًا يواجه خراب الثقة، ومرارة التساؤل، ووجع النهاية الصامتة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot