الخميس، 21 مايو 2026

التعافي النفسي بعد الحرب

بقلم/ د.لينا أحمد دبة 
اليوم الثاني من سلسلة: كيف نعيد بناء السودان؟ 🇸🇩
الحرب لا تترك الدمار في الشوارع والمباني فقط، بل تترك أثرًا أعمق داخل الإنسان. فالكثير من السودانيين اليوم يعيشون آثارًا نفسية قاسية بسبب الفقد، والنزوح، والخوف، والانفصال عن الحياة التي اعتادوا عليها. هناك من فقد منزله، ومن فقد شخصًا عزيزًا، ومن اضطر لترك مدينته وأحلامه والبدء من جديد في مكان غريب. لذلك فإن الحديث عن إعادة بناء السودان يجب ألا يقتصر على السياسة والاقتصاد فقط، بل يجب أن يبدأ أيضًا من التعافي النفسي للإنسان السوداني.
التعافي النفسي لا يعني أن ينسى الإنسان ما حدث، بل يعني أن يتعلم كيف يعيش رغم الألم، وكيف يستعيد إحساسه بالأمان والحياة من جديد. فالحروب تخلق داخل الإنسان مشاعر كثيرة مثل القلق، والخوف، والتوتر، وفقدان الثقة، وأحيانًا الإحساس بالعجز أو الانطفاء الداخلي. البعض يحاول إخفاء هذه المشاعر خلف الصمت والقوة، لكن الحقيقة أن الاعتراف بالتعب النفسي ليس ضعفًا، بل خطوة مهمة نحو الشفاء.
المجتمع السوداني معروف بالصبر والتماسك، لكن حتى أقوى الناس يحتاجون أحيانًا لمن يسمعهم ويدعمهم نفسيًا. لذلك نحن بحاجة لنشر ثقافة الاهتمام بالصحة النفسية، خاصة بعد كل ما مر به الناس من صدمات. نحتاج لمساحات آمنة للحوار، ولدعم الأطفال والشباب والنساء، لأنهم من أكثر الفئات تأثرًا بالحرب. كما نحتاج لإعادة بناء العلاقات الإنسانية التي أفسدها الخوف والانقسام والكراهية.
التعافي النفسي يبدأ من أشياء بسيطة جدًا؛ من كلمة طيبة، ومن شعور الإنسان بأنه ليس وحده، ومن وجود أمل صغير يدفعه للاستمرار. وقد يبدأ أيضًا من العودة للحياة اليومية، والعمل، والتعليم، والتواصل مع الآخرين، وممارسة الأنشطة التي تمنح الإنسان بعض الراحة والسلام الداخلي.
إعادة بناء السودان الحقيقية تبدأ من إعادة بناء الإنسان نفسه. فالإنسان المتعافي نفسيًا يستطيع أن يشارك في بناء مجتمعه، وأن يصنع السلام بدل العنف، وأن ينظر للمستقبل بطريقة أفضل. أما الإنسان الذي يحمل الحرب داخله فسيظل يعيش آثارها حتى لو توقفت المعارك.
ورغم كل الألم، ما زال السودانيون يملكون قوة عظيمة على الصمود والبداية من جديد. لأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة فقط، بل تُبنى بالإنسان القادر على النهوض بعد الانكسار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot