الاثنين، 4 مايو 2026

‏حين تختبرك العلاقات: بين أصدقاء الفترة وأصدقاء المصلحة


‏كتبت هذا المقال: 
‏أ/هبة رأفت أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري 
‏في مسار الحياة، نلتقي بأشخاص كُثر، بعضهم يعبر سريعًا، وبعضهم يترك أثرًا، وآخرون يكشفون لنا حقيقة العلاقات. ومن أكثر ما يختلط على الناس التفريق بين أصدقاء الفترة وأصدقاء المصلحة؛ فكلٌّ منهما قد يبدأ بشكل متشابه، لكن نهايته تكشف جوهره.
‏أصدقاء الفترة هم أولئك الذين تجمعك بهم مرحلة محددة من حياتك؛ كالدراسة أو العمل أو نشاطٍ ما. تنشأ بينكم مواقف مشتركة، وضحكات، وربما دعم حقيقي في تلك اللحظات. العلاقة هنا صادقة في إطارها، لكنها مرتبطة بزمان ومكان. وعندما تنتهي المرحلة، قد تبهت الصلة أو تنقطع دون خلاف أو إساءة. وهذا لا يُعد خذلانًا، بل هو من طبيعة الحياة المتغيرة؛ فليس كل من أحببناه كُتب له أن يستمر معنا. جمال هذه الصداقات أنها خفيفة، صادقة، وتترك ذكريات طيبة دون التزامات طويلة.
‏أما أصدقاء المصلحة، فهم يختلفون في الأساس. وجودهم في حياتك ليس لذاتك، بل لما تملكه أو تقدمه. يقتربون عند الحاجة، ويختفون عند انتهائها. قد يتقنون إظهار الود، لكن علاقتهم مشروطة بعطاءٍ منك، لا بمشاعر متبادلة. ومع الوقت، يبدأ الشعور بالاستنزاف؛ كأنك تبذل جهدًا عاطفيًا أو ماديًا دون أن تجد مقابلًا إنسانيًا حقيقيًا. هنا لا تكون المشكلة في انتهاء العلاقة، بل في اختلالها من البداية.
‏الفرق الجوهري بين النوعين أن أصدقاء الفترة قد يرحلون بسلام، بينما أصدقاء المصلحة يتركون خلفهم شعورًا بالخذلان. الأولون كانوا جزءًا من مرحلة، والآخرون كانوا يستخدمونك كوسيلة. ولذلك، فالنضج في العلاقات لا يعني التمسك بالجميع، بل فهم طبيعة كل علاقة، ومنحها حجمها الصحيح.
‏التعامل الحكيم يبدأ بالوعي. مع أصدقاء الفترة، استمتع باللحظة وقدّر التجربة دون أن تتعلق بما هو مؤقت. أما مع أصدقاء المصلحة، فكن حازمًا في وضع الحدود، ولا تجعل طيبتك سببًا في استنزافك. ليس مطلوبًا أن تقطع الجميع، ولكن أن تعرف من يستحق القرب، ومن يكفيه البعد.
‏ليست العبرة بكثرة من حولك، بل بصدق من يبقى. فهناك من يمرّ ليعلّمك، وهناك من يبقى ليشاركك الطريق، وهناك من يظهر فقط حين يحتاجك. وحين تدرك الفارق، ستختار علاقاتك بوعيٍ يحفظ قلبك ويصون طاقتك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot