قالَ الحاضرُ للماضي:
"لا تُطِلِ الوقوفَ عندَ أطلالِكَ
ففيكَ دروسٌ تُؤخَذُ.. لا أوطانٌ تُسكَنْ
ولا تُغرِقْ عينيكَ في بريقِ ما كانْ
فكلُّ ماضٍ.. وإن تجمّلَ.. ظلٌّ زائلٌ لا يُعادْ
خُذْ منهُ عِبرةً.. وامضِ
فالألمُ بابٌ خفيٌّ للمعرفةِ
وكلُّ جرحٍ علّمكَ.. كانَ خطوةً نحوَ نُضجٍ لا يُرى
ردَّ الماضي بصوتٍ مُثقلٍ بالحنين:
"لكنني كنتُ وطنَكَ الأولْ
كنتُ الضحكةَ الأولى.. والدفءَ القديمْ
كيفَ تطلبُ منهُ أن ينساني.. وهو مصنوعٌ مني
ابتسمَ الحاضرُ وقالَ بهدوءٍ:
"ما أنكرتُ فضلَكَ.. لكنكَ أصبحتَ قيداً
حاضِرُكَ ليسَ ذنبُهُ أنَّ قلبَكَ ما زالَ هناكْ
ولا خطيئتُهُ أنكَ تُقارنُهُ بذكرى قديمةٍ مُحمّلةٍ بالحنينْ
لو نظرتَ إليهِ بعينِ الرضا
لرأيتَ في تفاصيلِهِ جمالاً أصدقْ
وفي وجوهِهِ دفئاً أنقى
وفي أيامِهِ فرصاً لا تُعوّضْ
"أنتَ تعيشُ في مدينةٍ.. بلا مدينة
بلا بشرٍ.. رغمَ الضجيجِ حولَكْ
وصمتٌ بداخِلِكَ.. بينَ ضفّتينِ وقلبُكَ مدينتُكَ
فانتبهْ..
لا تُقدّسْ ما مضى حدَّ الغيابْ
ولا تخسرْ ما بينَ يديكَ وأنتَ تُلاحقُ سراباً لا يعودْ
عِشِ الآنَ.. فالحياةُ لا تنتظرُ من يُحبُّها مؤجّلاً*
والقلبُ لا يُزهِرُ إلا إذا آمنَ بأنَّ اللحظةَ تستحقْ"*
"الحريّةُ.. أن تطيرَ مثلَ العصفورِ الذي كانَ سجيناً
كسرَ القفصَ.. وطارَ بينَ الأغصانِ يُغرّدُ من جديدْ
وأنتَ كمانْ.. اكسرْ قفصَ الماضي
كُنْ حرّاً.. ارتقِ بنفسِكْ
وعِشْ في مدينةٍ غيرِ المدينةْ
مدينةٍ بلا ضجيجَ حولَكْ
أغلِقْ بابَ الصمتِ بداخِلِكْ
واكتبْ بحروفِكَ.. لا تنتظرْ
أن يأتي بياعُ الروبابيكيا
لتشتري منكَ حاجاتِكَ القديمةْ
فبعضُ الذكرياتِ.. لا تُباعْ
وبعضُ الأوجاعِ.. ثمنُها أن تُرمى
وفي آخر الحوار..
سكتَ الماضي.. وأطرقَ الحاضرُ رأسه
فجاءَ صوتٌ ثالثٌ.. لا هو ماضٍ ولا حاضرْ
صوتٌ الله وهو "جابرْ القلوب
قالَ: "يا قلباً كسرَهُ الحنينْ
ويا روحاً أرهقَها الأنين
لا الماضي بيتُكْ.. ولا الحاضرُ سجنُكْ
بيتُكَ حيثُ يرتاحُ قلبُكْ ََ
وسجنُكَ هو خوفُكَ من البَدءِ من جديدْ
"فانهضْ..
الماضي صفحةٌ قُرأتْ.. فلا تُعِدْ قراءتَها كلَّ ليلةْ*
*والحاضرُ هديةٌ.. فلا تَرُدَّها بحُجّةِ أنكَ انتظرتَ غيرَها
وغداً؟ غداً يخلقُهُ اللهُ..
ويبعثُ لكَ من يجبرُ كسرَكْ
يُلملمُ شتاتَكْ
ويقولُ لكَ: أنا جابرُ خاطرِكْ
فاطمئنْ.. ما كانَ كسراً.. صارَ جَبراً
فابتسمَ الماضي.. وسلّمَ الرايةَ للحاضرْ
وابتسمَ الحاضرُ.. وفتحَ بابَهُ للآتي
وقامَ القلبُ من بينِ الأنقاضِ
طيراً حرّاً.. لا قفصَ.. لا ماضي
فقط طاير من الفرحه وحلق الي السماءٌ.
صباح خالد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق