الأربعاء، 29 أبريل 2026

مصر تُهدي إلى العالم جدارِيَّتها وسرديَّتها أكبر جدارية عالمية في أجمل بقاع البحر الأحمرGalala Cliff Canvas

بقلم : ماهر حسن مفتاح
 كاتب صحفي وخبير في الاقتصاد السياسي 
حين لا يكون الجبل مجرد حجر بل ذاكرة تُكتب أمام أعين العالم

هناك أفكار لا تبدأ من الخيال بل من لحظة صدام حقيقية مع المكان من لحظة ترى فيها المشهد فيفرض عليك سؤالا أكبر من أي تصميم هضبة الجلالة ليست موقعا جغرافيا عاديا بل حالة بصرية مكتملة جدار صخري ضخم يرتفع بشكل حاد من سطح البحر خط أفقي واضح في الأعلى وانفتاح كامل للرؤية من البحر دون أي عائق هذا النوع من المشاهد لا يُبنى بل يُكتشف ولا يُزين بل يُفهم وهنا بالتحديد تبدأ الفكرة ليس كاقتراح معماري بل كإدراك عميق ماذا لو لم يكن هذا الجبل خلفية لمدينة بل أصبح هو العمل نفسه ماذا لو تحول من كتلة صامتة إلى وسيط يحمل سردية ممتدة عبر الزمن

الفكرة في جوهرها لا تتعامل مع الجبل كمساحة للرسم بل ككيان بصري قادر على حمل معنى نحن لا نقترح جدارية تقليدية ولا لوحة ضخمة بل نقترح تحويل الحائط الصخري إلى منصة سرد حضاري عالمي تمتد بطول يقارب كيلومتر وتُبنى تدريجيا عبر سنوات لتصبح عملا حيا يتشكل ويتطور ولا يتجمد عند لحظة واحدة الجدارية هنا ليست سطحا بل نظام وليست مشهدا ثابتا بل عملية مستمرة طبقة أولى تروي تاريخ مصر عبر العصور ليس كتوثيق جامد بل كسرد بصري متصل يبدأ من عمق الحضارة ويمتد حتى الحاضر طبقة ثانية تفتح المجال للعالم حيث يشارك فنانون من مختلف الدول كل منهم يضيف رؤيته لتتحول الجدارية إلى مساحة تعكس الإنسانية كلها وليس هوية واحدة فقط طبقة ثالثة ليلية حيث لا ينتهي العمل مع غروب الشمس بل يبدأ في الظهور بشكل مختلف من خلال تصميم ضوئي مدمج يجعل الجبل يتحدث بلغة أخرى أكثر هدوءا وعمقا

أهمية هذا المشروع لا تأتي من حجمه فقط بل من موقعه في طريقة تفكير العالم اليوم العالم لم يعد يبحث عن أماكن جميلة فقط بل عن أماكن تحمل تجربة ومعنى يمكن تذكره هذا المشروع يقدم لمصر أكثر من مقصد سياحي يقدم علامة بصرية تُرى من البحر تجربة لا يمكن تكرارها بسهولة ومنصة ثقافية تجمع بين الفن العالمي والهوية المصرية في إطار واحد ببساطة نحن لا نبني معلما بل نخلق ذاكرة

وعندما ننظر إلى التاريخ نجد أن الحضارات الكبرى لم تترك آثارها في المباني فقط بل في الجبال والصخور حيث يتحول الثبات إلى معنى من النحت الرئاسي في الولايات المتحدة إلى النقوش القديمة في حضارات الشرق كانت الفكرة دائما هي تثبيت لحظة في الزمن لكن هذه الأعمال رغم عظمتها كانت مغلقة تنتهي عند تنفيذها وتبقى كما هي أما مشروع الجلالة فينتمي إلى منطق مختلف تماما هو مشروع مفتوح لا ينتهي عند لحظة ولا يُنفذ بواسطة فريق واحد ولا يعبر عن زمن واحد بل ينمو ويتراكم ويتطور مع الوقت وهذا هو جوهر تميزه الحقيقي

لكن قبل كل ذلك تبقى العبقرية الأساسية في المكان نفسه هضبة الجلالة توفر عناصر نادرة اجتماعها في موقع واحد ارتفاع يصل إلى خمسمائة متر واجهة صخرية ممتدة وواضحة رؤية مباشرة من البحر لمسافات بعيدة وتباين بصري قوي بين الجبل والماء أي تدخل بصري في هذا السياق لن يكون مجرد تفصيلة بل سيصبح علامة تُرى من الأفق وهنا تتحول الجدارية من عمل فني إلى إشارة حضارية

أما التنفيذ فلا يمكن أن يكون تقليديا بل يجب أن يُبنى بمنطق النظام أولا يتم تحويل الجبل إلى وحدات هندسية قابلة للتعامل بحيث تتحمل الظروف البيئية وتسمح بالصيانة وتحافظ على التكامل البصري ثم يتم وضع سردية موحدة قبل أي تنفيذ لأن أكبر خطر في مثل هذه المشاريع هو العشوائية لذلك يتم تحديد إطار فكري واضح وخطوط تصميم تضبط الإيقاع العام للعمل وتُنشأ جهة فنية مسؤولة عن الحفاظ على هذا التوازن بعد ذلك يتحول المشروع إلى منصة عالمية من خلال مسابقات سنوية تستقطب فنانين من مختلف الدول يتم توفير بيئة عمل متكاملة لهم مع توجيه يضمن أن كل إضافة تخدم الصورة الكلية ثم يأتي التنفيذ التدريجي حيث يتم إنجاز أجزاء محددة كل عام ليصبح المشروع رحلة ممتدة وليس حدثا لحظيا

وفي لحظة التحول الحقيقية يأتي البعد الليلي عندما تغيب الشمس لا يختفي الجبل بل يبدأ في الظهور بشكل مختلف من خلال إضاءة مدمجة داخل التصميم ومعالجة للمواد تتفاعل مع الضوء يتحول الجبل إلى لوحة مضيئة تُرى من البحر وتبقى في الذاكرة وهنا يصل المشروع إلى مستوى آخر حيث لا يعود مجرد عمل بصري بل تجربة متكاملة

التحدي الحقيقي لا يكمن في تنفيذ الفكرة بل في تجاوز النماذج السابقة دون الوقوع في تقليدها النجاح في الأعمال العالمية لم يكن في الحجم فقط بل في وضوح الرسالة وقوة الرمز واستمراريته وهنا يأتي دور مصر ليس فقط بتاريخها بل بقدرتها على إعادة تقديم هذا التاريخ بلغة معاصرة تجمع بين العمق والتكنولوجيا والانفتاح

في جوهر هذا المشروع محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المكان والذاكرة جبل ظل آلاف السنين صامتا يمكن أن يتحول إلى سردية مفتوحة تُكتب عليه وتُقرأ منه ويشارك العالم في استكمالها كما تركت الحضارة المصرية أثرها في الحجر نحن نحاول أن نعيد هذه الفكرة ولكن بلغة العصر ليصبح هذا الجبل ليس فقط شاهدا على التاريخ بل امتدادا له

وفي النهاية لا يبدأ هذا المشروع من الفن فقط ولا من السياحة فقط بل من سؤال بسيط هل يمكن لمكان واحد أن يحمل قصة أمة ويرويها للعالم الإجابة نعم إذا فهمنا المكان أولا ثم تركناه يتكلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot