الثلاثاء، 21 أبريل 2026

التعليم المفتوح في مصر… حلم مؤجل بين التعقيد والإهمال



محرر صحفى امل صالح سليم


لم يعد التعليم المفتوح مجرد بديل تعليمي لمن فاتتهم فرصة التعليم الجامعي التقليدي، بل أصبح عند كثيرين “طوق نجاة” لتحقيق طموح شخصي أو تحسين وضع مهني. لكن الواقع يكشف عن صورة مغايرة تمامًا، حيث تتحول هذه التجربة إلى رحلة مليئة بالعقبات التي تُرهق الدارس نفسيًا وماديًا، وتضعه أمام تحديات قد تفوق قدرته على الاستمرار.
أول ما يصطدم به الطالب هو الإجراءات الإدارية المعقدة وسوء معاملة بعض الموظفين المسؤولين عن التقديم. بدلًا من أن يجد الطالب بيئة داعمة تُشجعه على استكمال تعليمه، يُفاجأ بأسلوب جاف، ومعلومات متضاربة، وتأجيلات متكررة، وكأن الهدف هو “تنفيره” لا “تيسير أموره”. هذه المعاناة الإدارية وحدها كفيلة بإحباط أي حماس في بدايته.
أما على المستوى الأكاديمي، فالمشكلة أعمق. فالتعليم المفتوح – في صورته الحالية – أقرب إلى كونه “تعليمًا مهنيًا بلا أدوات مهنية” وليس تعليمًا أكاديميًا حقيقيًا. المناهج غالبًا تُقدم بشكل نظري جاف، دون شرح كافٍ أو التزام بمحاضرات منتظمة، مما يضع الطالب أمام مسؤولية الفهم الذاتي الكامل، حتى في مواد تحتاج إلى توجيه وتبسيط. النتيجة؟ طالب تائه بين كتب غير مفسرة، ومحاضرات غير منتظمة، ونظام لا يدعمه.
الكارثة الأكبر أن كثيرًا من الدارسين يلتحقون بهذا النظام بهدف الترقية في عملهم أو تحسين أوضاعهم الوظيفية، لكنهم يجدون أنفسهم في مواجهة نظام لا يساعدهم على تحقيق هذا الهدف. كيف يُطلب من موظف يعمل طوال اليوم أن ينجح في دراسة معقدة دون شرح أو دعم؟ وكيف يُحاسب على مستوى علمي لم تُتح له أدوات تحصيله؟
والأكثر قسوة أن رحلة المعاناة لا تنتهي حتى بعد النجاح. فالكثير من الملتحقين، بعد سنوات من الجهد والإنفاق، لا يحصلون على شهادة جامعية واضحة، بل يُفاجأون بـ“بيان نجاح” فقط، وكأن ما مرّوا به لا يرقى للاعتراف الكامل. بل وتزداد الأزمة تعقيدًا في حال وقف أو إغلاق بعض برامج التعليم المفتوح، حيث يجد الطالب نفسه في مأزق حقيقي: كيف يثبت مؤهله؟ وكيف يحصل على شهادة رسمية بعد أن استثمر سنوات من عمره في هذا المسار؟
المشكلة هنا ليست في فكرة التعليم المفتوح نفسها، بل في طريقة إدارتها. هذا النظام يحتاج إلى إعادة هيكلة حقيقية، تبدأ من:
تدريب الموظفين على التعامل الإنساني والمهني مع الطلاب
تنظيم العملية التعليمية وتوفير شرح واضح ومنتظم
تطوير المناهج لتكون أكثر ارتباطًا بسوق العمل
استخدام وسائل تعليم حديثة (أونلاين – تسجيلات – دعم تفاعلي)
مراعاة ظروف الدارسين العاملين
ضمان حق الطالب في الحصول على شهادة رسمية معترف بها دون تعقيدات
التعليم ليس رفاهية، بل حق. ومن يسعى لاستكمال تعليمه يجب أن يُدعم لا أن يُعاقب. وإذا كانت الدولة تتجه نحو التنمية، فلا يمكن تجاهل شريحة كبيرة من الطامحين الذين يرون في التعليم المفتوح فرصتهم الأخيرة.
القضية لم تعد تحتمل التجاهل… بل تحتاج إلى تدخل حقيقي يعيد لهذا النظام هيبته، ويمنح الدارسين ما يستحقونه:
“فرصة عادلة للتعلم… وشهادة تعترف بتعبهم، لا مجرد ورقة تثبت مرورهم.”

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot