الأحد، 19 أبريل 2026

التعليم المفتوح فى مصر بين الطموح الفردى والتحديات المؤسسية



محرر صحفى امل صالح سليم


مأساة التعليم المدمج والمفتوح لم تعد مجرد تجربة تعليمية بديلة، بل تحولت عند كثير من الدارسين إلى رحلة شاقة مليئة بالتحديات والضغوط النفسية والمادية. هذا النوع من التعليم كان من المفترض أن يكون باب أمل لفئات كبيرة لم تسمح لها ظروفها بالالتحاق بالتعليم التقليدي، لكنه في الواقع أصبح يضع الطالب أمام عقبات متكررة، تبدأ ولا تنتهي.
أول ما يواجهه الطالب هو عبء المصاريف. فعلى الرغم من أن فكرة التعليم المفتوح أو المدمج تقوم أساسًا على إتاحة الفرصة للجميع، إلا أن الرسوم الدراسية غالبًا ما تكون مرتفعة مقارنة بطبيعة الخدمات المقدمة. الطالب يدفع مبالغ ليست بالقليلة، وفي المقابل لا يحصل على شرح كافٍ أو دعم أكاديمي حقيقي يساعده على الفهم. كثير من المواد تُقدم بشكل نظري جامد، بدون تبسيط أو متابعة، مما يجعل الطالب يعتمد على نفسه بشكل شبه كامل، أو يلجأ لدروس خارجية تزيد العبء المالي عليه.
ثم تأتي مشكلة فهم المواد، وهي من أكبر التحديات. الطالب في هذا النظام لا يحظى بنفس القدر من التفاعل المباشر مع الأساتذة كما يحدث في التعليم التقليدي. المحاضرات أحيانًا تكون محدودة أو غير كافية، وبعضها يُقدم بشكل سريع أو غير منظم. النتيجة أن الطالب يشعر بأنه تائه، يحاول جمع المعلومات من هنا وهناك دون مرجعية واضحة، وهو ما ينعكس على مستواه العلمي وثقته بنفسه.
ولا يمكن تجاهل معاناة الطالب مع الإجراءات الإدارية داخل بعض الجامعات. فبدلاً من أن يجد تعاونًا وتيسيرًا، يواجه أحيانًا تعقيدًا في الأوراق، وتأجيلًا في إنهاء المصالح، وأسلوبًا غير لائق في التعامل من بعض الموظفين. الطالب يصبح في موقف من يطلب خدمة، رغم أنه يدفع مقابل حق من حقوقه، وهذا يولد لديه شعورًا بالإحباط وعدم التقدير.
ومن أكثر النقاط التي تثير الجدل والاستياء، قضية غلق التعليم المفتوح بعد صدور أحكام قضائية بضرورة استمراره أو إعادة فتحه. هذا التضارب بين القرارات يجعل الطالب في حالة قلق دائم على مستقبله. كيف يخطط لحياته وهو لا يعرف هل سيكمل دراسته أم لا؟ ولماذا يتم تجاهل حقوق طلاب التحقوا بالنظام بشكل قانوني؟
أما عن تسليم “بيان نجاح” بدلًا من شهادة التخرج، فهذه مشكلة أخرى تمس قيمة ما درسه الطالب. فالشهادة هي الإثبات الرسمي لجهده وسنوات دراسته، بينما بيان النجاح لا يحمل نفس الوزن أو الاعتراف في سوق العمل. كثير من الخريجين يجدون أنفسهم في موقف صعب عند التقديم لوظائف، حيث يُطلب منهم مستندات رسمية لا يستطيعون توفيرها، رغم أنهم أنهوا دراستهم بالفعل.
في النهاية، التعليم المدمج والمفتوح فكرة جيدة في أصلها، لكنها تحتاج إلى تطوير حقيقي وإدارة واعية تراعي مصلحة الطالب قبل أي شيء. المطلوب ليس فقط إتاحة التعليم، بل ضمان جودته، واحترام الدارسين فيه، وتقديم نظام واضح ومستقر لا يتغير بشكل مفاجئ. الطالب لا يطلب أكثر من حقه: تعليم حقيقي، معاملة كريمة، وشهادة تعكس مجهوده وتفتح له أبواب المستقبل.

وفي ظل كل هذه التحديات، تبرز ضرورة إعادة النظر في تصنيف هذا النوع من التعليم، الذي لا يزال يُنظر إليه على أنه تعليم مهني رغم احتوائه على مواد علمية وتخصصات تتطلب دراسة حقيقية وجهدًا أكاديميًا لا يقل عن نظيره في التعليم التقليدي. هذا التصنيف لا ينعكس فقط على نظرة المجتمع، بل يؤثر بشكل مباشر على فرص الخريجين في سوق العمل. لذلك، يصبح من الضروري العمل على تحويل التعليم المفتوح والمدمج إلى تعليم أكاديمي معتمد، يتمتع بنفس الحقوق والاعتراف الرسمي، مع تطوير لوائحه بما يضمن جودة العملية التعليمية. كما يجب التوسع في التخصصات المتاحة، بحيث تلبي احتياجات سوق العمل المتجددة، وتمنح الطالب خيارات أوسع تتناسب مع ميوله وقدراته. فإتاحة التعليم وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون إتاحة عادلة ومتكاملة تضمن للدارس مستقبلًا حقيقيًا، لا مجرد تجربة مؤقتة بلا امتداد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot