الاثنين، 6 أبريل 2026

نرمين قاسم تكتب: مجتمع مسكين فكرياً


هل توقفت يومًا لتسأل نفسك لماذا تُقابل نجاحات المرأة في مجتمعاتنا بتنهيدة شفقة بدلًا من تصفيق الإعجاب؟ لماذا تبدو كلمة "يا حرام" وكأنها الظل الذي يرافق كل أنثى، مهما بلغت قوتها أو استقلالها؟ اغلب نجاحات المرأة يعقبها كلمة "بس".. بداية من اخدت الدكتوراة "بس" مسكينة ابوها مات، خلفت "بس" جابت بنت، وصولا للتوافه اشترت فستان جديد "بس" لونه مش حلو عليها.. الإجابة قد تصدمك، فخلف هذه الشفقة الزائفة يختبئ فخ محكم الصنع، لا يهدف إلى حمايتها، بل إلى تقليم أظافرها... وإذا كنت تعتقد أن هذه مبالغة، فدعني أكشف لك كيف يُدار هذا الفخ يوميًا أمام أعيننا.
في كل مرة نحاول فيها تفكيك بنية المجتمع، لا نصطدم فقط بعاداته، بل بعقله الجمعي الذي يصرّ على إعادة إنتاج نفس القوالب القديمة، وكأن الزمن لم يمر، وكأن الوعي لم يتغير. مجتمع يرفع شعارات القوة والتماسك، لكنه في العمق يعاني من فقر فكري مزمن، يظهر بوضوح في نظرته للمرأة، التي لا يُسمح لها أن تكون سوى “مسكينة”... حتى لو لم تكن كذلك.
الغريب أن هذا التصنيف لا يُفرض على المرأة الضعيفة فقط، بل يُلصق بالجميع.. الناجحة مسكينة لأنها “شايلة نفسها لوحدها”، المتزوجة مسكينة لأنها “مستحملة” بيت وزوج وأطفال، المطلقة مسكينة لأنها “ملهاش سند”، وغير المتزوجة مسكينة لأنها “مخدتش حظها من الدنيا”. وكأن المجتمع قرر سلفًا أن المرأة مشروع معاناة دائم، لا يحق له الخروج من هذا الإطار.
هذه ليست شفقة، بل وصاية مقنّعة. الشفقة هنا ليست تعاطفًا إنسانيًا، بل أداة لإبقاء المرأة في موقع أدنى، تُمنح فيه التعاطف بدلًا من الاحترام، وتُقدَّم لها المساعدة بدلًا من الاعتراف بقدرتها على إدارة الأمور بحكمة، المجتمع لا يرى قوتها، بل يبحث دائمًا عن ثغرة يثبت بها ضعفها، حتى لو اضطر لاختراعها.
ولكن، دعنا نغوص أعمق في هذا التناقض. هل تساءلت يومًا عن الثمن السري الذي تدفعه المرأة للحصول على صك "الرضا المجتمعي"؟ وما هي الكلمة السحرية التي تضمن لها لقب "المرأة المثالية" في قاموس هذا المجتمع؟ اقرأ السطور التالية بعناية، لأنها تكشف عن واحدة من أكبر الخدع التي صدقناها جميعًا.
ومن أغرب العادات أن المجتمع يربط قيمة المرأة بمدى “تحمّلها”. كلما صبرت أكثر، ارتفعت مكانتها. كلما سكتت عن حقها، أصبحت “بنت أصول”. أما إذا قررت الرفض أو المواجهة، تتحول فجأة من “مسكينة” إلى “مسترجلة” أو “صعبة”. وكأن الكرامة تهمة، والاستقلال خروج عن النص.
هذا التناقض يكشف أزمة أعمق، مجتمع لا يعرف كيف يتعامل مع المرأة كإنسان كامل، بل كدور يجب أن تؤديه. وإذا خرجت عن الدور، يتم معاقبتها اجتماعيًا، لا بالقانون، بل بالكلام والنظرات والتصنيفات المعلبة.
إلى هنا قد يبدو الأمر مألوفًا، وصراعًا تقليديًا بين سلطة ذكورية وحقوق نسوية.. ولكن انتظر قليلًا! الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد. فإذا كنت تظن أن هذه الوصاية تُفرض من الرجال فقط، فاستعد للمفاجأة.. فالجلاد الحقيقي هنا ليس جنسًا بعينه، بل "نظام برمجة" تغلغل في العقول لدرجة أن الضحية نفسها أصبحت حارسة لزنزانتها! كيف يحدث ذلك؟
 هذه الأفكار لا تُفرض فقط من الرجال، بل تتبناها نساء أيضًا، بعد أن تم برمجتهن على نفس القيم. فتجد الأم تربي ابنتها على الصبر أكثر من القوة، وعلى الخوف أكثر من التجربة، وعلى “استحمّلِي” بدل “واجهي”. وهكذا تستمر الدائرة، جيلًا بعد جيل.
المجتمع الذي يصر على رؤية نصفه “مسكينًا”، هو في الحقيقة مجتمع مسكين فكريًا. لأنه يختار الجهل بدل الفهم، والتصنيف بدل الإدراك، والتقليل بدل التقدير. والنتيجة؟ طاقات مهدرة، وعقول مُهمّشة، ونصف مجتمع يعيش أقل مما يستحق.
الوعي الحقيقي لا يبدأ من تغيير القوانين فقط، بل من تغيير النظرة. حين نتوقف عن اعتبار المرأة حالة خاصة تحتاج شفقة، ونبدأ في رؤيتها كإنسان كامل يستحق الاحترام، وقتها فقط يمكن القول إن المجتمع بدأ يتعافى من مسكنته العقلية.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال قائمًا يصفع وعينا الهش.. هل المرأة هي المسكينة فعلًا؟ أم أن المجتمع – بعقله المكبّل وقوالبه الصدئة – هو من يستحق هذا الوصف عن جدارة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot