الاثنين، 20 أبريل 2026

حين يصبح الانسحاب نجاة للنفس

بقلم/ د.لينا أحمد دبة 
يظن كثيرون أن انسحاب الإنسان من علاقة، أو مكان، أو موقف ما، يعني أنه وجد بديلًا أفضل، أو أنه لم يعد يهتم بما تركه خلفه. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فالانسحاب في أحيان كثيرة لا يكون بحثًا عن بديل، بل محاولة أخيرة لإنقاذ النفس بعد استنزاف طويل.
هناك مراحل يصل إليها الإنسان بعد أن يمنح الفرص مرة بعد مرة، ويحاول الإصلاح، ويتجاوز الأخطاء، ويصبر على ما يؤلمه أملًا في التغيير. لكنه مع مرور الوقت يكتشف أن العطاء المستمر دون تقدير، والصبر الدائم دون نتيجة، يستهلكان روحه شيئًا فشيئًا. عندها لا يصبح البقاء دليل وفاء، بل نوعًا من الظلم الذي يمارسه الإنسان على نفسه.
إغلاق الأبواب ليس قسوة دائمًا، بل قد يكون حماية. فبعض الأبواب حين تبقى مفتوحة، تسمح للأذى أن يدخل كل مرة، وتمنح الآخرين فرصة متكررة للخذلان. لذلك يختار الإنسان أحيانًا أن يغلقها بهدوء، لا انتقامًا، بل حفاظًا على ما تبقى داخله من سلام.
أما تغيير الأماكن، فهو ليس هروبًا كما يظن البعض، بل محاولة لالتقاط أنفاس جديدة بعيدًا عن الذكريات الثقيلة والضغوط المتراكمة. فالأماكن تحمل أثر التجارب، وبعضها يصبح مزدحمًا بالألم حتى يضيق على صاحبه، فيبحث عن مساحة أهدأ يبدأ فيها من جديد.
الالتفات للنفس بعد الاستنزاف مرحلة مهمة من النضج. فيها يتعلم الإنسان أن يضع حدودًا، وأن يعرف قيمة طاقته، وأن يدرك أن من حقه أن يبتعد عما يرهقه. يتعلم أن الفرص لا تُمنح بلا نهاية، وأن التسامح لا يعني السماح بتكرار الأذى.
ليس كل من رحل وجد بديلًا، وليس كل من أغلق بابًا كان قاسيًا. أحيانًا يكون الرحيل مجرد صرخة صامتة تقول: لقد حاولت بما يكفي، وحان الوقت أن أختار نفسي. وهذا الاختيار ليس أنانية، بل احترام للنفس، ووعي بأن النجاة تبدأ أحيانًا بخطوة انسحاب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot