الخميس، 9 أبريل 2026

بريق زائف

بين بريق العدسات وسحر الشاشة تتحول الجريمة أحياناً من خطيئة تستوجب العقاب إلى فنٍّ يُثير الإعجاب حيث تطل علينا السينما بوجهها الساحر لتعيد صياغة مفهوم اللص وتغلفه برداء من الظرف والذكاء الذي يسرق القلوب قبل الجيوب إنها إشكالية لصوص لكن ظرفاء تلك المعالجة الدرامية التي جعلت من المحتال بطلاً شعبياً ومن النصّاب عبقرياً ملهماً يتلاعب بالقدر ويطوع الظروف لصالحه في مشهد يخلط الأوراق ويطمس الحدود الفاصلة بين الرذيلة والفضيلة ولعل الخطورة تكمن هنا في هذا التجميل المتعمد للفعل المشين إذ يتحول السارق في أفلام مثل حرامية في كي جي تو أو حرامية في تايلاند إلى شخصية كوميدية محببة تكسر حواجز الرفض لدى المشاهد وتحوله من ناقد أخلاقي إلى مشجع يترقب نجاح العملية وكأن الجريمة أصبحت نوعاً من العدالة البديلة أو الشطارة المبررة التي يمارسها الوسيم اللبق ضد الأغنياء أو الظالمين ليرسخ في الأذهان أن النصب ذكاء محبب وليس جرماً مستنكراً ولم تقف السينما العربية وحدها عند هذا الحد بل امتدت هذه الظاهرة لتغزو الشاشات العالمية عبر أعمال مثل Catch Me If You Can وNow You See Me حيث يُقدم المحتال كأيقونة للعبقرية وتُصاغ الجريمة في قالب مغامرة سينمائية ممتعة تجعل المشاهد يخرج من دور العرض متمنياً امتلاك تلك الحيلة بدلاً من استنكار وسيلتها وهو ما يؤدي بالضرورة إلى زعزعة البناء الأخلاقي وتشويه مفهوم النجاح في وجدان الشباب والمراهقين الذين قد يغريهم هذا البريق فيظنون أن الدهاء في التحايل أسمى من الاجتهاد في العمل الشريف إن هذا التناول الفني حين يتجرد من مسؤوليته الأخلاقية يساهم في تمييع الثوابت المجتمعية ويحول القدوة من المكافح الصبور إلى المراوغ المحترف مما يجعل الصدق يبدو في أعين البعض سذاجة والتحايل مهارة اجتماعية لا غنى عنها ورغم أن السينما تملك القدرة على تقديم الجانب الإنساني العميق للجريمة دون تبريرها كما فعلت في رائعة اللص والكلاب حيث تجلت السرقة كمأساة إنسانية وصرخة يأس لا كبطولة زائفة إلا أن الاتجاه السائد نحو تزيين الانحراف يظل تحدياً يواجه الضمير الجمعي فالفن الحقيقي هو الذي يرتقي بالوعي ويبني الوجدان لا الذي يجمّل القبح ويجعل من الخداع وسيلة مشروعة للتحليق في سماء النجاح الوهمي.
الكاتبة والشاعرة سالي النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot