هذا الطرح لا يمر عابراً بل يتوغّل في عمق الإنسان حيث تختبئ الحاجات الحقيقية خلف ستار الصمت ويكسر تلك القاعدة الصلبة التي طالما رُدّدت بلا تفكير أن الاهتمام لا يُطلب ليعيد تعريف التواصل كجسر حيّ نابض يصل بين الأرواح لا بين المظاهر
بين ضجيج العطاء وعطش الروح يعلو سؤال صريح هل حقاً الاهتمام لا يُطلب أم أننا ورثنا هذه الفكرة فصرنا أسرى لها دون أن نراجعها يُقال إن الاهتمام لا يُطلب وكأن قيمته تُنتقص إن نُطق به وكأن الصمت هو الاختبار الوحيد لصدق المشاعر لكن الحقيقة أكثر تعقيداً وأكثر إنسانية الأرواح أحياناً تضل الطريق وتفسّر الإشارات على غير هداها وهنا يصبح الصمت جريمة هادئة ترتكب بحق القلوب
أنا هنا لا أهادن هذه الفكرة بل أواجهها بوضوح الاهتمام يُطلب ويُفهم ويُصاغ بالكلمات لأنه ليس شعوراً غامضاً يُترك للتخمين بل رسالة تحتاج إلى لغة واضحة وإلى قلبٍ يصغي
المأساة في العلاقات لا تكمن دائماً في غياب الاهتمام بل في حضوره الخاطئ حين يُمنح بصدق لكنه يصل إلى غير موضعه كأن تهدي الثمر لمن يبحث عن ظل أو تمنح الضوء لمن يطلب دفء اليد قد يغدق عليك الطرف الآخر بما يراه قمة العطاء من عالمه الخاص يظن أن الهدايا ضمان الحب وأن السفر رفاهية السعادة بينما أنت تبحثين عن لحظة صدق عن كلمة تشبهك عن حضور يربّت على روحك لا على مظاهرك
هنا تبدأ المأساة الصامتة هو يبحث عما يقدمه وأنت تبحثين عمن يبقى هو يرى الاهتمام في الأشياء وأنت ترينه في المعاني هو يملأ الفراغ بالضجيج وأنت تملئينه بالهمس هو يمنحك ما يملك وأنت تنتظرين ما تحتاجين
وهنا تحديداً يولد السؤال الذي يخشاه الكثيرون لماذا نطلب الاهتمام هل هو ضعف أم حاجة مشروعة
نحن لا نطلبه استجداءً بل تصحيحاً للمسار نطلبه لأن الحب ليس قالباً واحداً يُلبس للجميع بل ثوب يُفصّل بدقة على مقاس الروح التي نحب نطلبه لأننا لا نريد أن نُغرق بعضنا بعطاء لا يُشبع ولا نريد أن نتحوّل إلى غرباء داخل علاقة تبدو مكتملة من الخارج لكنها خاوية من الداخل
ما قيمة أن يمنحني أحدهم العالم كله وهو يجهل أن عالمي كله قد يكون لحظة إنصات نظرة فهم أو كلمة صادقة صغيرة جداً لكنها في قلبي تعادل كنوز الأرض
الاهتمام الحقيقي ليس في أن تعطيني ما لديك بل أن تمنحني ما أحتاج أن تفهم لغتي قبل أن تكتب رسالتك وأن تدرك أن البوح ليس ضعفاً بل أعلى درجات النضج العاطفي لأننا حين نتكلم بصدق ننقذ العلاقة من سوء الفهم ونمنحها فرصة أن تنمو على أرض واضحة لا على ظنون متعبة
في النهاية الحب لا يفشل لقلة المشاعر بل لسوء ترجمتها والاهتمام لا يضيع لأنه غاب بل لأنه وصل بلغة لم يفهمها القلب
الكاتبة والشاعرة سالي النجار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق