في لحظة واحدة… تنقلب الحياة.
ليس لأنكِ أخطأتِ، ولا لأنكِ لم تحاولي بما يكفي…
بل لأن القدر قرر أن يختبركِ بأقسى صورة ممكنة:
أن تُتركي… وحدكِ.
امرأة كانت يومًا زوجة، لها بيت وصوت يُسمع…
تصبح فجأة مجرد ظلٍ يتنقل بين الجدران، تحمل أطفالها كأنهم أجنحة مكسورة، وتحاول الطيران بهم في سماء لا ترحم.
الوحدة هنا ليست مجرد شعور…
الوحدة كائن حي.
يجلس بجواركِ على السرير كل ليلة،
يهمس لكِ: "لا أحد معكِ… لا أحد سيأتي."
حين تُطلّق المرأة، لا تفقد زوجًا فقط…
بل تفقد ظهرًا، وسندًا، وأحيانًا… تفقد العالم كله.
تُرمى في مواجهة الحياة كأنها لم تكن يومًا إنسانة تحتاج الأمان.
تُصبح مطالبة بأن تكون الأب والأم،
الحنان والقوة،
الدمعة والصبر… في آنٍ واحد.
وما أقسى أن تحاربي…
وأنتِ منهكة أصلًا.
الأصعب من الفراق…
هو خذلان من ظننتِ أنهم "الأهل".
حين لا يسأل أحد عنكِ،
حين تمر الأيام ثقيلة… ولا هاتف يرن،
ولا باب يُطرق،
ولا يد تمتد لتقول: "أنا هنا."
تشعرين أنكِ غير مرئية.
كأنكِ سقطتِ من ذاكرة الجميع.
أما المجتمع…
فهو قاضٍ لا يسمع، ولا يرى… لكنه يحكم.
ينظر إليكِ بنظرة شفقة مغلفة بالقسوة،
أو اتهام صامت لا يحتاج كلمات.
كل خطوة لكِ محسوبة،
كل نفس… مراقب.
كأنكِ ارتكبتِ جريمة…
لأنكِ فقط حاولتِ أن تنقذي نفسكِ.
ثم تأتي المعركة الأقسى:
تربية أطفالكِ.
تنامين وأنتِ تفكرين:
كيف أُطعمهم؟ كيف أُعلمهم؟ كيف أحميهم من قسوة العالم… وأنا نفسي لا أجد من يحميني؟
تبتسمين أمامهم…
وتنهارين وحدكِ.
تجوعين… ليشبعوا.
تتعبين… ليكبروا.
تُدفنين نفسكِ حيّة… ليعيشوا.
وفي وسط كل هذا…
يقف القانون… صامتًا… أو ربما ظالمًا.
قانون يُفترض أنه يحمي… لكنه أحيانًا يزيد الجرح عمقًا.
يجعل الأب قادرًا على التهرب،
ويجعل الأم عالقة في دوامة المحاكم،
تجري بين الجلسات كأنها تطلب صدقة… لا حقًا.
سنوات تضيع…
وأطفال يكبرون…
وأم تُستنزف… يومًا بعد يوم.
لكن رغم كل هذا…
هي لا تسقط.
تتعب؟ نعم.
تنهار؟ كثيرًا.
تبكي حتى لا يبقى في قلبها ماء؟ كل ليلة.
لكنها… لا تنكسر.
لأن هناك عيونًا صغيرة تنظر إليها،
ترى فيها العالم كله،
وتنتظر منها أن تكون "كل شيء".
هذه ليست قصة امرأة ضعيفة…
بل قصة امرأة أُجبرت أن تكون أقوى مما يجب.
امرأة لم يخترها أحد…
فاختارت نفسها.
لم ينقذها أحد…
فأنقذت أطفالها.
لم يُنصفها أحد…
لكنها قاومت… حتى صارت العدالة في عيون أبنائها.
وفي النهاية…
ليست كل البطولات تُحكى،
ولا كل الأبطال يُصفق لهم.
هناك بطلات…
يستيقظن كل يوم،
ويمضين في الحياة… رغم الألم،
رغم الوحدة،
رغم القسوة…
وهذا… أعظم انتصار.
بقلم: رضوى الدسوقي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق