بقلم احمد منصور احمد غانم عضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه
وكان ذلك في الرابع من ذي القعدة سنة سبعٍ وأربعين وستمائة، الموافق للثامن من هو فبراير سنة ألفٍ ومئتين وخمسين للميلاد، حين تلاقى جمعان عظيمان:
جيشُ المسلمين من الأيوبيين والمماليك، وكان عدده يقارب السبعين ألفًا، وجموع الفرنجة يقودهم ملك فرنسا لويس التاسع، ومعه من الإفرنج ما يناهز الثمانين ألفًا، قد احتشدوا طمعًا في ديار الإسلام، وظنّوا أن الطريق ممهدة.
ففي سنةٍ من سنيِّ القرن السابع الهجري، نهض على عرش فرنسا ملكٌ متعصّبٌ شديد العداء للإسلام، قد امتلأ قلبه حقدًا، وزُيِّن له أن استعادة بيت المقدس لا تكون إلا بكسر شوكة المسلمين وضرب مصر، قلب الديار الإسلامية وحصنها الحصين.
فأخذ يُعبّئ الناس في كل أوروبا بخطابٍ دينيٍّ ملتهب، ويستثير فيهم روح الحروب الصليبية، وجعل من نفسه رايةً تتقدّمهم باسم الصليب .
ومضى يُعِدُّ العُدّة، فاستنزف خزائن فرنسا قرابة اثني عشر عامًا في تجهيز الحملة، فصُنعت السفن، وجُمعت الأسلحة، وحُشد الفرسان والمشاة من بلاده ومن حلفائه في أوروبا، حتى تكوّن له جيشٌ جرّار قُدِّر بعشرات الآلاف، تحمله مئات السفن عبر البحر، يظنّ أن لا قوة في الأرض تقف في وجهه.
وكان يحدّث نفسه ومن حوله أن الطريق إلى القدس يمر عبر القاهرة، وأن إسقاط مصر هو المفتاح لبقية بلاد الإسلام، فسار بجيشه مغترًّا بكثرته، مزهوًّا بقوته، لا يرى في المسلمين إلا أمةً أنهكتها الفرقة، وما علم أن وراء النيل رجالًا إذا حمي الوطيس ثبتوا ثبات الجبال، وأن الأيام تُخفي له عند المنصورة قدرًا لم يكن في حسبانه.
ونزل دمياط سنة سبع وأربعين وستمائة، فوجدها خاليةً إلا من حاميةٍ يسيرة، فدخلها بغير كبير عناء، فطغى وتجبر، وظن أن الأمر قد استقام له، وأن القاهرة قاب قوسين أو أدنى. وفي تلك الأيام اشتد المرض بالسلطان الصالح نجم الدين أيوب حتى توفاه الله، فكتم الأمر خواصُّه لئلا تضعف القلوب، وكان عماد الجيش يومئذٍ المماليك الذين أكثر السلطان من شرائهم وتربيتهم، حتى صاروا سيوف الدولة وضربتها القاضية.
ثم تحرك الفرنجة من دمياط قاصدين قلب مصر، حتى نزلوا على بحر أشموم، فصار الماء حاجزًا بينهم وبين معسكر المسلمين عند المنصورة، فعسكروا وشيدوا التحصينات، وحفروا الخنادق، ونصبوا المجانيق يرمون بها، وحاولوا مدّ جسرٍ يعبرون عليه، والمسلمون يصدونهم ليل نهار، ويخربون ما يبنونه، فلا يثبت لهم أمر. وكانت المساجد تضجُّ بالتحريض على الجهاد، ويتلى في المحاريب قول الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فتوافد الناس من القرى والأمصار، كلٌّ يريد نصيبًا من شرف الدفع عن ديار الإسلام.
وفي الثامن من فبراير اشتدت الحرب، بعد أن دلَّ بعض الخونة الفرنجة على مخاضةٍ يعبرون منها، فاقتحموا صفوف المسلمين، وقُتل الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ، وكان من كبار قواد المماليك ، فكانت مصيبةً عظيمة، غير أن المماليك ثبتوا ولم يولوا الأدبار، ونهض فارس الدين أقطاي يتولى القيادة، والسيوف تعمل، والقلوب معلقة بالنصر أو الشهادة.
وهنا برز بيبرس البندقداري، وكان يومئذٍ من أمراء المماليك البحرية، فاحتال حيلةً من حيل الحرب صارت مضرب المثل، إذ أمر بفتح بابٍ من أبواب المنصورة، وأمر الجند أن يكمنوا في الأزقة والدروب، وأن يُظهروا الخلو والفراغ، فظن الفرنجة أن المدينة قد خلت كما خلت لهم دمياط، فاندفع فرسانهم مدججين بالسلاح يريدون قصر السلطان، وما علموا أنهم يساقون إلى الموت.
فما إن توسطوا المدينة حتى انقض عليهم المماليك من كل صوب، يصيحون صيحةً الله أكبر التي رجّت القلوب، وضربوهم بالسيوف والرماح، وشاركهم العامة من أهل مصر والعربان والفلاحون، يرشقونهم بالحجارة والمقاليع، وقد جعل كثير من العوام على رؤوسهم الطاسات النحاسية يتقون بها الضرب، وسدت الطرق بالمتاريس، فضاقت عليهم الأزقة، واختلطت صفوفهم، وعلموا أنهم وقعوا في كمينٍ لا مخرج منه، فأُلقي كثيرٌ منهم في النيل فغرقوا، وقُتل منهم خلقٌ عظيم.
وأما من بقي من الفرنجة على الضفة الأخرى فكانوا يسعون لإتمام الجسر، فلما بلغهم ما حلَّ بإخوانهم داخل المنصورة، اضطربوا واضطرب ملكهم، وكاد بعضهم يلقي بنفسه في الماء فرارًا، وعادوا إلى معسكرهم منكسرين، بعد أن ذاقوا من بأس المسلمين ما لم يذوقوه من قبل، وأقاموا ثمانية أسابيع ينتظرون فرجًا لا يأتي، وقد انقطعت آمالهم وتزلزلت قلوبهم.
وفي تلك الأثناء قدم توران شاه بن الصالح أيوب، فتسلم القيادة، وأُعلن للناس نبأ وفاة أبيه، فأحكم الحصار على الفرنجة، وقطع خطوط الإمداد بينهم وبين دمياط، فاشتد بهم الجوع والمرض، وأخذ اليأس منهم كل مأخذ، حتى صاروا يتسللون إلى معسكر المسلمين مستأمنين. وعرض لويس على السلطان أن يسلّم دمياط في مقابل تسليمه بيت المقدس وبعض سواحل الشام، فكان جواب المسلمين الرفض، إذ علموا أن ساعة النصر قد أزفت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق