كتبت هذا المقال ..
أ/ هبة رأفت.
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري.
في كثير من البيوت، يقف الآباء في حيرة مؤلمة: بذلوا الجهد، وأنفقوا المال، وقدموا من وقتهم وصحتهم ما لا يُقدّر بثمن، ومع ذلك يجدون أبناءهم يوجّهون إليهم اللوم، أو يقلّلون من هذا العطاء، بل وربما يفضلون البيئة الخارجية عليهم. فيبدو المشهد وكأنه جحود غير مبرر… لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
المشكلة لا تكمن في غياب العطاء، بل في اختلاف طريقة استقباله وفهمه. فالآباء يرون الحب في التضحية والعمل والتوفير، بينما الأبناء—خصوصًا في مراحل النمو—يبحثون عن نوع آخر من الحب: القرب، الحوار، الشعور بأنهم مسموعون ومفهومون. حين لا يلتقي هذان المساران، ينشأ فراغ عاطفي، رغم وجود عطاء مادي كبير.
كما أن مرحلة المراهقة تحمل بطبيعتها رغبة قوية في الاستقلال وإثبات الذات. يبدأ الابن في تكوين شخصيته الخاصة، وقد يظهر ذلك في صورة اعتراض أو ابتعاد أو حتى نقد للأسرة. هذا لا يعني بالضرورة رفضًا للآباء، بل هو محاولة لفهم نفسه خارج إطارهم. لكن حين لا يجد داخل البيت مساحة آمنة للتعبير، يبحث عنها خارجه.
ومن جهة أخرى، قد تتحول بعض أساليب التربية—دون قصد—إلى مصدر ضغط: كثرة التوجيه، النقد المستمر، المقارنات، أو ربط الحب بالإنجاز. كل ذلك يجعل الابن يشعر أنه “مشروع تقييم” لا “إنسان مقبول”. ومع الوقت، يبتعد عن مصدر هذا الشعور، ويقترب ممن يمنحه قبولًا أسهل، حتى لو كان أقل وعيًا.
ولا يمكن تجاهل أثر البيئة الخارجية، حيث يجد الأبناء أصدقاء يمنحونهم شعورًا سريعًا بالانتماء، ومساحة للتجربة دون قيود صارمة. فينجذبون إليها، ليس لأنها أفضل دائمًا، بل لأنها تلبي احتياجًا لم يُشبَع داخل البيت.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو حين يُقابل الأبناء بتذكير دائم بحجم التضحيات، فيتحول العطاء من حب غير مشروط إلى دين ثقيل، يشعرون أنهم عاجزون عن سداده. وهنا لا ينشأ الامتنان… بل ينشأ الهروب.
التربية ليست فقط فيما نقدمه، بل في كيف نقدمه. ليست في حجم العطاء، بل في أثره داخل نفس الابن. فابن يشعر بالأمان والقبول، سيقدّر أقل القليل. وابن يفتقد هذا الشعور، قد لا يرى أكبر العطاءات
.الأبناء لا ينكرون ما قُدِّم لهم بقدر ما يبحثون عمّا لم يصل إليهم. فليس كل عطاء يُدرك، ولا كل حب يُفهم بالطريقة نفسها. لذلك، لا يكفي أن نُعطي… بل يجب أن نصل. وعندما يصل الحب إلى قلب الابن كما يحتاجه، سيتحول اللوم إلى امتنان، والابتعاد إلى قرب، والبحث خارج البيت… إلى عودة صادقة إليه.
ليست المشكلة في أن الآباء أعطوا قليلًا… بل أحيانًا في أن الأبناء لم يشعروا بما أُعطي لهم كما ينبغي. فالقضية ليست حساب تضحيات، بل بناء علاقة. فكم من عطاءٍ كبير لم يصل، وكم من لحظة فهمٍ صادقة صنعت فرقًا لا يُنسى.
في النهاية، الابن لا يبتعد لأنه لا يُحب… بل لأنه لم يجد ما يكفيه ليبقى. فإذا أردنا أن نكسب أبناءنا حقًا، فلا نُكثر فقط من العطاء… بل نُحسن الوصول به إلى قلوبهم. لأن القلب إذا امتلأ… لم يبحث عن بديل.
خير مايقدمه الوالدين لإبنائهم ، تعامل سوى وفطرة نقية ودين قويم ... ام راعية حنونه تخاف الله وتتقه وأب مثلها وزيادة يعرف المسؤوليه ويحمل هم التربية والنشئة ، لا أحط من قدر الأمكانيات المادية ولكن الروح والنفس الاهتمام بها أول وربطها بخالقها لا يعادله شيى فالوجود.
ردحذف