السبت، 7 مارس 2026

قلوب عن بُعد ...


في صباح اليوم التالي، فتحت "أنْعام" عينيها على ألمٍ غريب في كتفها الأيمن، وكأن الجسد يرفض التحمّل بعد يومٍ مرهق.

جلست "أنعام" على طرف السرير، وضعت يدها على موضع الألم، ثم تنهدت.

دخل "رفاعي" المطبخ يعدّ الشاي، نظر إليها وقال:

"هل مازلتِ مجهدة يا زوجتي....؟"

أجابت "أنعام":
"كنت أقول لنفسي إني كبرت بالسن… لكن قلبي يقول لا وأنا معك أشعر كأن السنين لم تمر."

ابتسم "رفاعي" وقال:

"الراحة الأكبر بجمع شملنا يا "آنعام… ديري بالك على صحتك، و تمهلي في عملك الجديد بالمصنع لا تحملي على كاهلك ." 

ولا ترهقي نفسك بالعمل غداً ، خذي قسط مِن الراحة ليستريح جسدك .
فقالت "أنعام" لا استريح يا "رفاعي" ولا أطمئن غير بتجمع شملنا جميعاً.

ولكن أصرّت "أنعام"  الذهاب للعمل رغم أنها كانت مجهدة ، ولم يكن في قلبها سوى فكرة واحدة "أنا لم أتي إلى هنا لأستريح…

أنا جئت لألم شمل أولادنا يا "رفاعي" معانا لابد مِن أن اكثف عملي لأساعدك في تجهيز أوراقهم حتى يأتوا للعيش معانا"

و أثناء طريقها إلى المصنع، كانت السماء ملبّدة بالغيوم، والبرد يُعضّ أطراف أصابعها.

وعندما وصلت، وجدت المكان أكثر ازدحامًا مِن الأمس.

" أم سليم" المديرة كانت تنتظرها بنظرات غير مريحة، وقبل أن تُسلّم عليها، قالت بنبرة جافة:

"أنْعام"، بالآمس حدث بعض الأخطاء في الكيّ… بعض العملاء اشتكوا مِن حروق خفيفة على القماش."

اتسعت عينا "أنعام":

"أنا… كنت أعمل الذي تعلّمته مِن قبل، لكنني لم أعرف هذا عمل جديد علي…"

قالت "أم سليم":

"لا تقلقي المشكلة ليست كبيرة، لكن لابد مِن مراجعة عملك جيدا ،قبل أن سليمه .

ولكن سوف يتم نقلك اليوم لقسم التغليف… حاولي التركيز في عملك أكثر مِن ذلك."

لم تكن الكلمات مهينة، لكن وقعها كان مؤلمًا على "آنعام… هي القادمة مِن عمرٍ مِن الدقة والخبرة… تُنقل كمتدرّبة مبتدئة....؟

لكنها ابتلعت غصّتها، وقالت في نفسها:

"لا وقت للكِبرياء يا "أنعام… "هذا وقت العمل يجب أن تركزي في عملك مِن أجل زوجك و أولادك."

وبينما كانت ترتب قطع الملابس لتغليفها، شعرت بيدها ترتجف مِن الداخل، ليس فقط تعبًا… بل خوفًا أن تكون قد خيّبت آمال نفسها وأولادها.


وفي "مصر"، كان صباح يوم جديد دافئًا في شوارع حيّهم، لكنه كان ثقيلًا داخل البيت.

"سحر" لاحظت أن أخاها "محمد" لم يستيقظ كعادته، أقتربت منه، وضعَت يدها على جبينه، فشعرت بحرارة غريبة.

نادَت على "آمال"، التي وضعت يدها الأخرى ثم قالت بقلق:

"حرارته عالية… ووجهه شاحب."

هرعت إلى الجدة "ذكية"، التي وضعت راحتها المجعّدة على جبينه، ثم هزّت رأسها:

"لابد مِن الذهاب للدكتور فورًا… هذه ليست سخونة عادية."

كان "أحمد" في الخارج، بحثوا عنه، ثم أسرع إلى البيت، وحمله هو و"آمال" إلى عيادة الطبيب القريبة.

في العيادة، نظر الطبيب بعد فحص طويل وقال:

"لديه التهاب قوي… لابد أن يلتزم بالمضاد الحيوي، وتتابع درجة حرارته ، و لابد مِن الراحة بضعة أيام مِن العمل، ولو زادت الحرارة نقوم بعمل تحاليل."

خرجوا والقلق يملأ ملامحهم، والشارع مِن حولهم يزداد ازدحامًا، لكن داخلهم فراغ واحد:
"لم تكن "أنعام معنا…"

في "نيويورك"، جلست "أنعام" في منزلها بعد عودتها مِن العمل، أمسكت سماعة الهاتف تتحسس أصواتهم مِن خلفه، أتصلت بأولادها،  فتفاجأت بصوت "سحر" فيه همس مرتجف:

"أمي… "محمد" مريض وحرارته مرتفعة… الدكتور قال لا بد مِن الراحة والعلاج، ونحن نحاول أن نعتني به، ولكن ... كنت أتمنى وجودك معنا."

ارتعش الهاتف في يدها. 
نظرت إلى الحائط مِن حولها ثم همست:

"يا رب… خفّف عليه، وأعطيني قوة أتحمل بُعدي عنه."
وطلبت مِن "سحر" أن تتحدث إلى "آمال....

ردّت "آمال" هذه المرة:

"محمد" نائم بعد ما تناول الدواء… نحن جميعاً بخير يا أمي، لا تقلقي ."

لكن صوتها كان هشًّا.

قالت "أنعام"، وصوتها يتهدّج رغم ثباتها الظاهري:

"أنا معكم… حتى وأنا هنا.

أي شيئاً يحدث، تتصلوا بي وتخبريني على الفورًا.

قولي "لسحر" لا  تتركي، "محمود" اهتمي بمراجعة دروسه، يا "آمال…" كونوا يداً واحدة. 

"محمد" "بإذن الله تعالى" سوف يشفى بسرعة"ردّت "آمال" بصوت متماسك:

"هو يتحسن… لكن نحن نفتقدك يا أمي ، ولم ننساكي لحظة واحدة."

في المساء، جلست "أنعام" على السرير، وضعت أچندة في حضنها، ثم كتبت في دفترها:

"الغربة ليست بُعد فقط… إنما  اختبار حب. 
وأنا بحبّكم أكثر مِن قبل،  أعمل وأنا متعبة، وأصبر وأنا بعيدة عن وجوهكم."

وأغلقت الدفتر على دعاء خافت:

"اللهم لا تجعل المسافات حاجزًا بين قلبي وقلب أولادي."

اللهم قر عيني بهم قريباً ، وخفف عني الغربة ، وألم الفراق.

وفي "مصر"، كان "محمد" نائمًا، يتنفس ببطء، وجواره "سحر" تمسك بيده، وتهمس له :               بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot