أستيقظت "أنْعام" قبيل الفجر في "نيويورك"، لم توقظها المنبّهات ولا ضوء الشمس، بل صوت داخلي يقول:
"أنهضي... مشوارك مازال طويل يا "أنعام."
نهضت "أنعام" مِن فراشها بهدوء، توضأت، وصلّت، ثم وقفت أمام المرآة ترتّب طرحتها كما أعتادت في بيتها القديم، نفس الحركات، نفس التنهيدة، لكن المكان مختلف.
في زاوية الغرفة كانت حقيبتها الصغيرة، وفي جيبها رسالة كتبتها لها "سحر" ليلة السفر، قرأتها مرة أخرى، وشدت بها على قلبها.
دخل "رفاعي" المطبخ يعدّ لها كوبًا مِن القهوة، وقال وهو يضع الكوب أمامها:
"لا تقلقي يا "أنعام" أنا معك هنا... أول يوم يكون صعب، لكنكِ قادرة على تحمل المسؤولية في العمل الجديد."
هزّت رأسها بابتسامة فيها امتنان وقلق، ثم غادرت البيت برفق… متجهة إلى المصنع.
كان المصنع صغيرًا، لكنه مزدحم بالعمال والماكينات والضجيج.
هناك رائحة قماش، وهمهمات بلغات مختلفة.
استقبلتها مديرة عربية مِن "فلسطين" تُدعى "أم سليم"، بابتسامة مشجّعة:
"أهلًا وسهلًا يا أختي… هنا مثل بيتك، وهذا مكانكِ.
سوف تعملين في قسم الكَيّ أول فترة لكِ في المصنع."
تسلّمت "أنعام" مِكواة البخار، وبدأت تتعلم التفاصيل الصغيرة،
و كيف تطوي القماش، كيف لا تحرقه، كيف تحفظ سرعة يدها.
كانت عيناها تتابع، ويداها ترتجف في البداية، لكنها مع كل قطعة تزداد ثقة، وتعود إلى نفسها القديمة… التي تعرف كيف تحتمل، وكيف تبني.
في استراحة الغداء، جلست "أنعام" على كرسي حديدي في زاوية المصنع، أخرجت رغيفًا صغيرًا كانت قد خبزته بالأمس، وبضع تمرات.
جلست بجانبها عاملة مكسيكية مِن المصنع، تبادلتا ابتسامة دون لغة.
قالت المكسيكية كلمة واحدة:
"أمي"
أومأت "أنعام" وفهمت:
"أنتِ أمّ مثلي."
ضحكت الاثنتان، ثم عادا للعمل.
في ذات الوقت، كانت شمس القاهرة قد ارتفعت، وفي البيت هناك كانت الحياة تحاول أن تستعيد نظامها:
"سحر" أيقظت اخواتها مبكرًا، و أعدّت لهم أختهم "آمال" الفطور البسيط كما كانت تفعل أمها.
"محمود" ارتدى زيه المدرسي وهو يساعد "محمد" على الكرسي المتحرك، ثم فتح حقيبة أخيه ورتب كتبه بصبرٍ لم يعتد عليه مِن قبل.
"آمال" دخلت المطبخ، نظرت حولها، أمسكت بالمقلاة، وسألت جدتها:
"ماذا سأعد الغداء اليوم يا جدتي...؟"
ابتسمت "ذكية أم السيد"، وقالت:
"كل طعامك جيد يا "آمال… أنتي سيدة منزل جيدة مِن اليوم المطبخ في يدك."
قالت "آمال":
"إذا أصبحت أنا "أنعام" الصغيرة....؟"
ردت الجدة بحنان:
"البيت ملئ برائحة أمك… في صوتك يا "آمال"، وفي حضن سحر، وفي شهامة "محمود"، وعقلية "أحمد"،وفي طيبة "محمد."
وفي طريقهم إلى المدرسة، كان "محمد" يضحك للمرة الأولى منذ أيام، بينما "محمود" يدفع كرسيه في الشارع ويقول:
"تعلم يا "محمد" أمي ليست هنا، لكن كأنها تنظر إلينا مِن السماء."
رد "محمد":
"وأكيد بتدعي لنا وأنت ذاهب إلى المدرسة."
وفي المساء، عادت "أنعام" مِن عملها مرهقة لكنها متوهجة.
يدها تؤلمها، وكتفها متيبّس مِن الوقوف، لكن قلبها دافئ كأنها أنجزت شيئًا مِن أجل مستقبل أولادها.
دخلت الشقة، استقبلها "رفاعي" بكوب ماء وابتسامة:
"أول يوم…كيف كان العمل معكِ.....؟"
قالت وهي تخلع معطفها ببطء:
"كنت خائفة… لكن عندما أمسكت المِكواة، شعرت أننّي أعود لنفسي.
بمكن أن تكون الغربة صعبة، لكن العمل يعيد للروح مذاقها."
ثم جلست على الكرسي، أمسكت هاتف البيت، وإتصلت بأمها، ومِن خلفها جاءت أصوات الأولاد:
"أمي...!!"
ضحكت "آنعام" لأول مرة مِن قلبها منذ أن فارقت أولادها وقالت:
"أنا تعبت اليوم، لكن شعرت أني قوية مِن أجلكم… لا داعي للقلق عليا، أنا بخير."
ردت "سحر":
"ونحن أيضاً بخير… "محمود" جعل "محمد" يضحك، وآمال أعدت الغدا، و "أحمد" منتظم بالعمل هو و "محمد" وأنا… أنا أصبحت مثلك يا أمي."
ليلةٌ إنتهت على إتصال بين قلبين على طرفي الأرض…
لكن المحبة، تلك التي علّمتها "أنعام" لأولادها، ربطت بينهم كأنّها لم تسافر أبدًا. بقلم عاشقة الوطن. سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق