بقلم احمد منصور احمد غانم عضو المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنميه
قطنا في تل المشرفة مملكة أثرية تكشف تاريخاً عريقاً في ريف حمص
العروبة خاص
تزخر محافظة حمص بالعديد من المواقع الأثرية التي تعود إلى حضارات قديمة، وتشكل هذه المواقع شاهداً على الأهمية التاريخية والحضارية التي تمتعت بها المنطقة عبر العصور، حيث تنتشر في ريفها تلال ومدن أثرية مازالت تكشف مع مرور الزمن عن لقى ومعالم تؤكد عمق الحضارة في هذه الأرض.
ويعد موقع تل المشرفة من أبرز هذه المواقع، إذ يحتضن آثار مملكة قطنا التي تعد واحدة من أهم الممالك في التاريخ القديم. تحمل آثار مملكة قطنا في تل المشرفة شمال شرقي حمص تاريخاً حضارياً عريقاً يعود إلى آلاف السنين، حيث كانت المدينة مركزاً مهماً للتجارة والسياسة في العصور القديمة، وشكّلت نقطة عبور استراتيجية على طرق القوافل التي ربطت بلاد الرافدين بالساحل المتوسطي، ما منحها مكانة بارزة بين ممالك المنطقة القديمة.
رئيس شعبة التنقيب في مديرية الآثار والمتاحف بحمص تريز ليون أوضحت لصحيفة “العروبة” أن موقع قطنا يقع على أطراف البادية السورية، الأمر الذي جعله مركزاً تجارياً مهماً تمر عبره القوافل القادمة من بلاد الرافدين باتجاه البحر المتوسط، ومن مدينة حلب شمالاً وصولاً إلى حازور في فلسطين جنوباً، مبينة أن هذا الموقع الجغرافي المميز أسهم في ازدهار المدينة وجعلها واحدة من أبرز الممالك في المنطقة.
وبيّنت ليون أن الموقع محاط ببقايا سور ترابي مرتفع مربع الشكل يشبه في تكوينه أسوار المدن السورية القديمة مثل إيبلا، ويمكن رؤيته من مسافات بعيدة، ما يدل على الأهمية الدفاعية والاقتصادية التي تمتعت بها المدينة في تلك الفترة.
اكتشاف الموقع والتنقيبات الأثرية
بدأ اكتشاف مدينة قطنا في العصر الحديث عام 1924، عندما عثر عليها الكونت الفرنسي دوبويسون، حيث كشفت أعمال التنقيب الأولى عن القصر الملكي وعدد كبير من اللقى الأثرية، من بينها ألواح كتابية ورد فيها اسم المدينة “قطنا”، وهو ما أكد هوية الموقع الأثري.
وأضافت ليون أن أعمال البحث لم تتوقف، ففي عام 1994 باشرت بعثة سورية من المديرية العامة للآثار والمتاحف أعمال تنقيب جديدة، وفي عام 1999 انضم إلى البعثة فريقان ألماني وإيطالي بهدف استكمال الكشف عن معالم المملكة القديمة وتوثيق آثارها بشكل أوسع.
مملكة تعود إلى عصر البرونز
تشير نتائج التنقيبات والوثائق المكتشفة إلى أن تل المشرفة هو موقع مدينة قطنا القديمة التي تعود جذورها إلى عصر البرونز نحو 2700 قبل الميلاد، وقد أصبحت خلال الألف الثاني قبل الميلاد عاصمة مهمة في المنطقة، وأحد أكبر المواقع الأثرية في سورية.
وكشفت الحفريات عن مجمع معماري متكامل يضم مبانٍ سكنية ودينية، إضافة إلى سجلات معبد الإله “نين غال” التي أكدت اسم المدينة، كما ورد ذكر قطنا في وثائق ماري الشهيرة ورسائل تل العمارنة، بينما ذُكرت في المصادر المصرية بصيغة “ق.د.ن”، وفي المصادر الحثية بأسماء قطنة وجتما وكنتفا.
علاقات تجارية واسعة
أظهرت اللقى الأثرية أن قطنا كانت على صلات تجارية واسعة مع مناطق الشرق القديم، حيث عُثر في بيوتها وقبورها على جرار فخارية من بلاد سومر تعود إلى عصر سلالة أور الثالثة (2150 – 1950 ق.م)، ما يدل على وجود علاقات تجارية مع بلاد الرافدين.
كما كشفت آثار المدينة عن روابط مع مصر القديمة، حيث عُثر على كسر من تمثال للأميرة إيتا ابنة الفرعون أمنحوتب الثالث، في دلالة على وجود علاقات دبلوماسية وتجارية متينة بين المملكة ومصر في تلك الفترة.
القصر الملكي والكنوز الأثرية
يُعد القصر الملكي في قطنا من أبرز المعالم المكتشفة في الموقع، إذ يضم قاعة العرض، وقاعة المحفوظات التي كانت تُدار فيها شؤون المملكة، إضافة إلى قاعة العرش التي يمكن الوصول إليها عبر ممر أرضي طويل ينتهي بمدخل يؤدي إلى مدفن ملكي منحوت في الصخر الطبيعي.
وقد عُثر داخل الموقع على قطع أثرية ثمينة، من بينها قلادات وحلي ذهبية مزينة بنقوش فنية تعكس تأثر الفن السوري القديم بالفنون المصرية، كما كشفت التنقيبات أن سكان المدينة كانوا يضعون الهدايا الذهبية والأحجار الكريمة والمجوهرات في قبورهم قرب الموتى، في دلالة على المعتقدات الجنائزية السائدة آنذاك.
ومن أبرز المكتشفات أيضاً تمثالان من البازلت يمثلان رجلاً وامرأة يُعتقد أنهما ملك وملكة قطنا، يرتديان عباءة طويلة تغطي كامل الجسد ومزركشة بما يليق بالملوك، وتشبه في شكلها العباءة العربية المصنوعة من وبر الجمال.
سقوط المدينة وعودتها للحياة
في منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وخلال عهد الملك الحثي شوبيليوما الأول، تعرضت قطنا للاحتلال الحثي، حيث أُحرقت المدينة وأُسر عدد كبير من سكانها وقُتل ملكها أكيزي، ما أدى إلى تراجع دورها السياسي في المنطقة.
ورغم ذلك لم تختفِ المدينة تماماً، إذ عاد إليها بعض السكان وأعادوا بناء أجزاء منها، لتبقى شاهدة على واحدة من أهم الحضارات التي ازدهرت في قلب سورية القديمة، فيما مازال موقع تل المشرفة حتى اليوم يمثل دليلاً مهماً على المكانة الحضارية والتجارية التي تمتعت بها مملكة قطنا عبر التاريخ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق