تناولت هذا الموضوع أ/ هبـة رأفـت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري
لم يعد مشهد الطالب المنهمك في هاتفه لساعات طويلة أمرًا غريبًا، لكن المثير للقلق حقًا هو ذلك الطالب الذي نعلم جيدًا أنه ذكي وقادر، ومع ذلك يتراجع مستواه الدراسي بشكل ملحوظ. هنا يظهر السؤال الأهم:
هل المشكلة في الهاتف؟ أم أن الهاتف مجرد وسيلة هروب؟
"ليس كل استخدام مفرط للهاتف إدمانًا… أحيانًا هو محاولة للهروب من واقع لا يُحتمل."
الطالب الذكي الذي لا ينجح… مفارقة تحتاج تفسير
كثير من المعلمين وأولياء الأمور يلاحظون هذا النموذج:
فهم سريع
إجابات مميزة شفهيًا
لكن أداء ضعيف في الاختبارات
هذه الفجوة لا ترتبط بالقدرات العقلية، بل غالبًا بعوامل نفسية وسلوكية، مثل:
الخوف من الفشل
ضعف الدافعية
الضغط الزائد
غياب المعنى من التعلم
"المشكلة ليست أن الطفل لا يستطيع… بل أنه لا يرى لماذا يجب أن يفعل."
الهاتف… ملاذ سهل وسريع
الهاتف الذكي يقدم للطفل ما لا يجده أحيانًا في الواقع:
متعة فورية
نجاح سريع (في الألعاب مثلًا)
هروب من التقييم والنقد
تشير دراسات في علم النفس السلوكي إلى أن:
التطبيقات الرقمية مصممة لتعزيز “الدوبامين” مما يجعل استخدامها متكررًا وصعب التوقف
وهذا يفسر لماذا يفضل الطفل الهاتف على الدراسة التي تتطلب جهدًا وصبرًا.
"الشاشة لا تسأل الطفل: لماذا فشلت؟… بل تعطيه فرصة جديدة فورًا."
هل هو إدمان فعلًا؟
ليس كل استخدام مكثف إدمانًا، لكن يصبح كذلك عندما:
يفقد الطفل السيطرة على الوقت
يرفض التوقف رغم الأضرار
يتأثر نومه أو دراسته
ينسحب من الأنشطة الواقعية
وفقًا لتقارير World Health Organization، تم إدراج بعض أنماط السلوك المرتبطة بالألعاب الرقمية ضمن الاضطرابات السلوكية إذا أثرت على الحياة اليومية.
العلاقة بين الهروب الرقمي وضعف التحصيل
الدراسات تشير إلى أن:
زيادة وقت الشاشة ترتبط بانخفاض التركيز
تعدد المهام الرقمية يقلل من كفاءة التعلم
الاعتماد على التحفيز السريع يجعل الدراسة “مملة” في نظر الطفل
"حين يعتاد العقل على المتعة السريعة… يصبح التعلم البطيء عبئًا."
الأسباب الخفية وراء الهروب للهاتف
وراء كل استخدام مفرط سبب، مثل:
الخوف من الخطأ أو الفشل
مقارنة مستمرة مع الآخرين
أسلوب تعليمي غير محفز
غياب التقدير الحقيقي
وأحيانًا:
"الهاتف ليس المشكلة… بل هو المسكن."
كيف نعيد التوازن؟
1. لا تبدأ بالمنع… ابدأ بالفهم
اسأل: لماذا يهرب الطفل؟ لا تكتفِ بسحب الهاتف.
2. اربط التعلم بالمعنى
اجعل الدراسة مرتبطة بهدف، لا مجرد واجب.
3. قسّم المهام
وقت قصير للدراسة
ثم استراحة
(بدل الضغط الطويل)
4. بدائل واقعية
رياضة – أنشطة – تفاعل اجتماعي
5. تنظيم استخدام الهاتف
أوقات محددة
بدون منعه تمامًا
مع متابعة ذكية
دور المعلم لا يقل أهمية
تحفيز الطالب الذكي بمهام تتحدى قدراته
تقليل التركيز على الدرجات فقط
بناء علاقة تشجيع لا تخويف
"الطالب لا يحتاج من يراقبه… بل من يؤمن به."
الهاتف ليس عدوًا دائمًا، لكنه يصبح كذلك عندما يتحول إلى ملاذ دائم للهروب.
والطالب الذكي لا يفشل لأنه ضعيف، بل لأنه أحيانًا لم يجد طريقًا مناسبًا لقدراته.
"حين نفهم السبب… نختفي المشكلة."
فلننظر أبعد من الشاشة… فالقصة الحقيقية تبدأ من الداخل، لا من الهاتف.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق