الاثنين، 9 مارس 2026

"وللقلب بيت إذا عاد الأحباب"


لم يكن البيت في "نيويورك" كما كان من قبل.
شيء ما قد تغير منذ أن عاد "أحمد" إلى حضن الأسرة...
رائحة القهوة، صخب الضحكات، لمعة العيون، وحتى نبض الجدران باتت تنبض بفرح خافت، ممتزج بحنين بعيد.

وفي ليلة هادئة، كانت العائلة تجتمع في الصالة، دفء المكان يذيب المسافات، لكنّ غصّة صغيرة كانت تلوح في قلب الحديث...

قالت "أنعام" بصوت حزين:
ــ الحمد لله إنك رجعت يا "أحمد"، لكن يناقصنا جدتك ذكية... كانت تتمنى تفرح بيك قبل ما العمر يسرقها.

خفض الجميع رؤوسهم، وسكنت اللحظة، كأنّ الجدة "ذكية" حضرت بينهم بحزنها الجميل وصبرها الطويل.
"أحمد" تمتم وقد اغرورقت عيناه:
ــ جدتي عمرها ما كانت بعيدة... كل خطوة بخطيها هنا حاسسها بتدعيلنا من هناك.

سكت الجميع لبرهة، ثم نهض "رفاعي" كعادته حين يقرر كسر الصمت:
ــ الحياة لابد أن تمر يا أولادي... "أحمد" استراح يومين يكفي عليه هذا، من باكر يبدأ عمله معي. كلنا هنا نعمل، والغربة لا بد من الكفاح بها وعدم الراحة كأننا نسارع الحياة،  ولا وقت النوم هنا... !

ضحك "محمد" وقال ممازحًا:
ــ يا سلام! دا حتى الاولاد في الشارع هنا عندهم جداول أعمال...!
فردّت "آمال":
ــ لا أحد بيأخد راحة إلا في الويك إند!

كان يوم السبت صباحًا مختلفًا.
"رفاعي" كان يتحرك في البيت مثل قائد أركان، ينظّم، يوجّه، ويهمس  "لأنعام":
ــ جهزي مائدة محترمة اليوم... "عزيز" سيحضر ومعه إبراهيم وسعيد ابنه.

تفاجأت "أنعام":
ــ إبراهيم.....؟ 
أخوكم اللي في الولاية القريبة.....؟
ــ نعم، لم نجتمع منذ عامين ، وبمناسبة رجوع "أحمد" ولم شملنا جميعاً قرر "عزيز" أن يتعرفوا عليكم جميعاً، لنكون يداً واحدة في الغربة وعائلة متماسكة.

التفت إلى "سحر" وقال بنبرة أبوية:
ــ أنتي و"سحر" و"آمال" تنظموا السفرة، ليشعروا و يفرحوا من قلوبهم ويقولوا البيت فيه طَعم العائلة المصرية، ورائحة الأكل المصري .


وبعد الظهر، بدأت الروائح تملأ المكان...
ملوخية، محشي، طاجن بامية، فتة، ومهلبية بالموز ،و أم على الذي يحبها "أحمد" كثيراً من يد أمه "أنعام..."
حتى البيت نفسه بدا وكأنه يستعد لاحتضان أجيال متفرقة... ضائعة في شوارع الغربة.

رنّ الجرس...
وفتح "أحمد" الباب، فإذا بعمه "عزيز" ومعه أخاه "إبراهيم" يدخلان بصحبة شابٍ في منتصف العشرينات.

"عزيز" تقدمهم، وهو يقول بابتسامة فخورة:
ــ جمعت لكم الأحباب لتكتمل العائلة.....!
إبراهيم أخويا وسعيد ابنه... أخيرًا عودنا بلّمة الدم.

انطلقت الترحيبات، الأحضان، والضحكات المتشابكة، وكان كأن الزمن عاد للخلف، أو أن الغربة انكسرت في هذا اليوم.

قال "إبراهيم" وهو يتأمل الوجوه:
ــ  تتذكر ن رائحة مصر......؟
ردّت "آمال" بسخرية لذيذة:
ــ نحن قمنا بتصميم جدول مثل رمضان... الأكل مصري، والمواعيد أمريكية.....!

ضحك "سعيد" وهو يلمح "آمال" التي بدت هادئة كعادتها، فقال ممازحًا:
ــ الجو هنا أجمل من الجو في ولايتنا... ممكن لأنكم هنا.....!

"آمال" احمرّ وجهها، وابتسمت بخجل:
ــ ممكن لأن اليوم لدينا ضيوف غاليين.

جلس الجميع حول المائدة، "ورفاعي" رفع كأس العصير وقال:
ــ أنا اليوم فرحان فرحة ليست عادية... رجوع "أحمد"، واجتمعنا بعد سنين، وهذا بالنسبة لي عيد ويوم لا ينسى.

قال "أحمد" وقد تأملهم جميعًا:
ــ أنا كنت أفكر عندما أتيت إلي هنا أنني أعيش بإحساس الغربة، لكن اليوم شعرتُ كأنني اتولدتُ من جديد... في حضنكم.

أضاف "عزيز" بنبرة عميقة:
ــ الغربة ليست فقط مكان بعيد... الغربة عندما لم تجد أهلك حولك . اليوم قد أنتهت غربتي... في وطن على هيئة وجوه.

نظر الجميع إلى بعضهم، كانت لحظة عميقة بلا تصنّع، بلا فخر، فقط دفء أسري حقيقي ، بمشاعر حقيقية بالحب.

ووسط ضحكات الأولاد وهم يجلسون على الأرائك، "أنعام" التي خنقتها الدموع عندما تذكرت أمها وحيده ببيتها بمصر، سُجِّل ذلك اليوم في ذاكرة "سحر" كأجمل يوم مرّ عليها منذ أن جاءت إلى هذه الأرض البعيدة.

قالت لنفسها وهي تنظر من نافذة المطبخ:
إذا كانت الغربة قد سرقت منا الوقت... فإنّ اللقاء أعاده إلينا حبًّا.  بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot