الاثنين، 9 مارس 2026

"عناق المدى"


كان الفجر لا يزال يتثاءب في سماء القاهرة، حين انتهت إجراءات سفر "أحمد" أخيرًا. الأوراق الرسمية وُقّعت، الجواز أُحكم، والحقائب أُغلقت كأنها صناديق من الذاكرة، تحمل بقايا الوطن في كل طيّة وثوب.

قبل أن يتوجه إلى المطار، احتضن جدته "ذكية أم السيد" عناقًا طويلًا، لم تَفُكّه الكلمات. كانت الجدة تلتف حوله بيديها النحيلتين، وكأنها تحاول أن تحتجز فيه كل ما تبقّى لها من عمر، بينما هو يُقبِّل رأسها بخشوع، ويغالب دمعًا نبيلا لا يريد له أن يُرى.

قالت له بصوت مرتجف:
ــ سافر يا بني، واعتني بنفسك... و بأسرتك، فهم ينتظرون فرحة الرجوع..! وتأكد أن رحلة كفاحك ستبدأ من الأن، لأن العمل في بلاد الغربة غير العمل بوطنك.
أومأ برأسه ولم يَقوَ على الرد، فقد كانت الدموع قد استوطنت الحلق.


وفي مطار "نيويورك"، كانت الأرض تميد بخطى الناس، وسلالم الكهرباء تصعد وتنزل كأنها تنهيدات المدن الكبرى.
وقف "رفاعي" على أطراف أصابعه، يبحث بين الوجوه عن ذلك الوجه الذي افتقده لسنوات.
وعلى مقربة منه، كان "محمد" الأخ الأكبر "لأحمد"، يترقب بلهفة لا تُخفى، فقد كبر في غياب أخيه.

وفجأة، خرج "أحمد" من البوابة، يجرّ حقيبته وتسبقه نظراته المجهدة، في ملامحه شيء من التعب، وشيء من الطفولة القديمة واستعادة شريط حياته.
في بلد جديد بثقافة غربية لم يعتاد عليها ، وكأنه يرى مستقبله يرسم أمام عينه ، وعقله يخطط ماذا بعد .

صرخ "محمد":
ــ  هذا "أحمد!

ركض إليه "رفاعي" أولًا، واحتضنه بقوة، حتى كاد يُسقِط الحقيبة من يده، ثم ابتعد قليلًا ليتأمل ملامحه ويبتسم إبتسامة خفيفة:
ــ كبرت يا ابن أباك....! 
" أحمد" الذي يذكرني بكفاحي في شبابي عندما كنت أعمل على المركب... بالطبع لقد تغربت كثيراً من اجلكم يا بني، وتفرقنا كثيرا في مفترق الطرق وها قد حان وقت لم الشمل!


ابتسم "أحمد"، وربت على كتف أبيه، ثم نظر إلى "محمد" عندما اقترب إليهم بكرسيه المتحرك ضمّ أحمد الأخ الصغير في حضن محمد، وتبادلوا النظرات التي قالت أكثر مما تقول الكلمات.
وقال : له لقد افتقدك كثيراً يا اخي والأن قد تلاقينا ، دائما كنت أتذكرك يا "محمد" فكم كنت أتعلم منك الصبر والكفاح في الحياة بكل بساله وحماس.


حين وصلوا إلى البيت، كانت "أنعام" واقفة عند الباب، تنتظر كما تنتظر الأمهات أن يعود الغائب من المعركة، لا تصدق أن المدى اختُصر، وأن ما كانت تراه في الحلم صار يقرع الجرس الآن.

فتحت الباب، ووقفت في صمت مهيب، لا تنظر إليه مباشرة، كأنها تهابه أو تخشى أن يكون طيفًا لا جسدًا.

قالت بصوت خفيض:
ــ "أحمد؟

ركض نحوها، واحتضنها كما لم يحتضن أحدًا من قبل، وبكى على كتفها طويلًا.
ــ أنا هنا يا أمي... والله أنا بجانبك. ولقد وصلت إلى هنا بفضل وبركة دعواتك لي دائما.

كان الحنين في المشهد كأنه ضيف قديم، يعرف البيت جيدًا، ويتكئ على حوافّ الذاكرة.


كانت "سحر" تراقب من خلف الدرَج، لم تُرِد أن تبكي أمامه، لكنها لم تملك نفسها حين اقترب منها.

ــ نضجتي يا "سحر..."
ــ وأنت تأخرتُ كثيراً يا "أحمد..."

تعانقا بخجل الأخ والأخت، بفرحة السنين المؤجلة.

"آمال" جاءت بعدهم، بابتسامة فيها من الرضا ما يغني عن العتاب، أما "محمود"، فركض إليه بطفولة عفوية، وهو يصرخ:
ــ  "أحمد..!
هل جئت ؟! 
"أحمد !
أنت هنا حقاً بيننا!
ضحك أحمد ورفعه عاليًا:
ــ جئت إليك  بقلبي يا حبيبي، ولم انساك لحظة واحدة ، ولا انسى خفة دمك؟


وفي زاوية الغرفة، جلس رجل مسنّ بلحية بيضاء ونظرات حادة، لم يتحدث لكنه كان يراقب بصمت.
اقترب منه "أحمد" وسأل:
ــ حضرتك...؟

رد "رفاعي" هامسًا:
ــ ده عمّك "عزيز"، أخي الأكبر... لم تراه من قبل كده،  هو سندنا في هذه الغربة كتيراً وأنت بعيد هناك.

انحنى "أحمد" يُقبّل يده، فربّت "عزيز" على رأسه واحتضنه وقال:
ــ مرحب بك يا ابن أخي... أنت إبني الذي لم انجبه بٓعد ، "نيويورك" انارت بك، مرحباً بك في موطن حضن عائلتك .

ذلك المساء، امتلأ البيت بالضوء، ليس من المصابيح، ولكن من تلك الأرواح التي التقت بعد غياب.
ضجّت المائدة بالضحكات، والقصص، والأمنيات التي تنبت من جديد في قلب الغربة.

أما "أحمد"، فقد نظر من النافذة إلى سماء "نيويورك "وقال في سره:
الغربة انتهت الأن... عندما التقيت حضني هنا.
فلن أشعر بالغربة بين عائلتي ، فرد عليه عمه "عزيز" وقال : 
بل جميعاً نشعر بالغربة ونحن بعيداً عن بلادنا الحبيبة مصر !
إنها أم الدنيا ...أم البلاد  وغوص العباد .                                       بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot