كتبت أ /هبة رأفت
أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة
أصبح الفضاء الرقمي اليوم أحد أكثر البيئات تأثيرًا في حياة المراهقين، حيث يقضون جزءًا كبيرًا من وقتهم في متابعة صُنّاع المحتوى أو ما يُعرف بالمدونين والـ"بلوجرز". ومع كثرة التعرض لهذا المحتوى، قد يتحول بعض هؤلاء المؤثرين إلى قدوات غير مباشرة لدى المراهقين، فيتأثرون بأسلوب حياتهم وأفكارهم وسلوكياتهم. وتبرز هنا تساؤلات تربوية مهمة حول مدى تأثير هذا التأثر في القيم والثوابت الدينية والثقافية لدى الشباب.
المراهقة ومرحلة البحث عن القدوة
تُعد مرحلة المراهقة مرحلة حساسة في تكوين الشخصية، حيث يسعى المراهق إلى بناء هويته الخاصة والبحث عن نماذج يقتدي بها. وفي الماضي كانت القدوة غالبًا من الأسرة أو المعلم أو الشخصيات العلمية والدينية، أما اليوم فقد أصبحت المنصات الرقمية تتيح للمراهقين متابعة شخصيات متعددة من ثقافات مختلفة، مما يجعل دائرة التأثير أوسع وأكثر تعقيدًا.
كيف يتحول البلوجر إلى قدوة؟
يرى المراهق في بعض صُنّاع المحتوى نموذجًا جذابًا للحياة، خاصة عندما يعرضون أسلوبًا يبدو ناجحًا أو مليئًا بالشهرة والاهتمام. ومع التكرار المستمر للمشاهدة، قد يبدأ المراهق في تقليد طريقة الحديث أو اللباس أو التفكير، بل وربما يتبنى بعض القيم أو السلوكيات التي يقدمها هذا المحتوى دون تمحيص كافٍ.
أثر هذا التأثير في القيم والثوابت
في بعض الحالات قد يؤدي التأثر غير الواعي بالمحتوى الرقمي إلى تغير في بعض المفاهيم لدى المراهقين، خصوصًا إذا كان المحتوى يعكس ثقافات أو أنماط حياة تختلف عن القيم الدينية والاجتماعية في المجتمعات العربية والإسلامية. وقد يظهر ذلك في طريقة التفكير أو السلوك أو النظرة إلى بعض الثوابت الأخلاقية.
أهمية بناء الوعي النقدي
لا يكمن الحل في منع المراهقين من استخدام المنصات الرقمية، فذلك أصبح أمرًا صعبًا في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيا. وإنما يكمن في تنمية الوعي النقدي لدى الشباب، بحيث يستطيع المراهق التمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى الذي قد يتعارض مع قيمه ومبادئه.
دور الأسرة والمؤسسات التربوية
للأسرة والمدرسة دور أساسي في توجيه المراهقين في هذا المجال، من خلال تعزيز الحوار المفتوح، وغرس القيم الدينية والأخلاقية بطريقة إيجابية، وتقديم نماذج قدوة حقيقية في المجتمع يمكن للشباب أن يستلهموا منها السلوك والتفكير.
إن تأثير صُنّاع المحتوى الرقمي في المراهقين أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها في العصر الرقمي. غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية توجيه هذا التأثير بحيث يصبح مصدر إلهام إيجابي، مع الحفاظ على القيم والثوابت التي تشكل أساس الهوية الدينية والثقافية للشباب. فالتوازن بين الانفتاح على العالم والتمسك بالهوية هو الطريق الأمثل لبناء جيل واعٍ وقادر على التعامل مع متغيرات العصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق