في السنوات الأخيرة عاد الذهب ليتصدر الاهتمام في سياسات البنوك المركزية حول العالم. فبعد عقود كان فيها الاعتماد الأكبر على العملات الأجنبية، خاصة الدولار، بدأت دول كثيرة تزيد احتياطياتها من الذهب بشكل ملحوظ. وتشير تقارير مالية دولية إلى أن مشتريات البنوك المركزية من الذهب وصلت في بعض السنوات إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تعود الدول إلى الذهب الآن؟
أحد أهم الأسباب هو القلق من التقلبات الاقتصادية العالمية. فالاقتصاد العالمي شهد خلال السنوات الماضية أزمات متتالية، من جائحة عالمية إلى توترات سياسية وحروب إقليمية، وصولًا إلى موجات تضخم غير مسبوقة. في مثل هذه الظروف تبحث الدول عن أصول تحتفظ بقيمتها حتى في أوقات الأزمات، ويظل الذهب أحد أهم هذه الأصول.
فالذهب يتميز بميزة أساسية لا تتوفر في معظم الأصول الأخرى: لا يعتمد على اقتصاد دولة بعينها. العملة قد تتأثر بسياسات دولة معينة أو بقرارات بنكها المركزي، أما الذهب فقيمته مرتبطة بالطلب العالمي عليه، ولذلك يُنظر إليه غالبًا كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين.
هناك سبب آخر يتعلق بما يسمى تنويع الاحتياطيات. فالبنوك المركزية تحتفظ عادة بسلة من الأصول تشمل العملات الأجنبية والسندات الحكومية وأحيانًا الذهب. لكن الاعتماد المفرط على عملة واحدة قد يعرّض الدول لمخاطر في حال حدوث تقلبات كبيرة في قيمتها. لذلك تلجأ بعض الدول إلى زيادة حصة الذهب ضمن احتياطياتها لتحقيق قدر أكبر من التوازن.
كما لعبت التوترات الجيوسياسية دورًا في عودة الاهتمام بالذهب. ففي عالم يشهد تنافسًا سياسيًا واقتصاديًا متزايدًا بين القوى الكبرى، تسعى بعض الدول إلى تقليل اعتمادها على النظام المالي الذي تهيمن عليه عملات معينة. وفي هذا السياق يصبح الذهب خيارًا جذابًا لأنه أصل عالمي لا يخضع لسيطرة دولة بعينها.
إضافة إلى ذلك، فإن الذهب يُعد أداة مهمة لتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني. فوجود احتياطيات كبيرة من الذهب يعطي إشارة للأسواق بأن الدولة تمتلك أصولًا قوية يمكن الاعتماد عليها في أوقات الأزمات.
ومع أن الذهب لا يدر عائدًا مثل السندات أو الاستثمارات المالية الأخرى، فإن قيمته تكمن في الاستقرار النسبي الذي يوفره خلال الفترات المضطربة.
في النهاية، لا يعني تزايد احتياطيات الذهب أن العالم يعود إلى النظام النقدي القديم القائم على الذهب، لكنه يعكس حقيقة مهمة: في عالم مليء بالتقلبات، ما زال هذا المعدن القديم يحتفظ بمكانته كأحد أهم أدوات الأمان الاقتصادي.
بقلم د نهي غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق