السبت، 7 مارس 2026

"مغادرة... واستقبال"

في صباحٍ ملبّدٍ بالمشاعر، عند استعدادهم للذهاب جميعاً لتوديع أخيهم "محمد" خرج "أحمد" مِن باب البيت يحمل حقيبة أخيه "محمد" وكأنّه يحمل فوق ظهره أعوامًا مِن الذكريات. 

لم تكن الحقيبة ثقيلة الوزن، لكنّها كانت مثقلة بالحنين، والتمنيات، والآمال المؤجلة.

كانت الجدة "ذكية" تمشي بخطواتٍ ثابتة وإن أثقلها العمر، ترفع رأسها وتخفضه وكأنها تحاور السماء:

– "يارب يوصل بالسلامة ويفرّح قلب أمّه بلقاءه."

وفي جوارها كانت "آمال" تلفُّ شالها حول عنقها، تخفي به شيئًا مِن ارتجافها ودمعتها المتربصة.

ركبت العائلة سيارة الأجرة بصمت، لكن في قلب كلٍّ منهم عاصفة مِن الكلمات.  
"سحر" جلست قرب النافذة، وعيناها تتأملان الوجوه في الشارع كأنها تبحث عن تفسير لهذا الوداع المُربك.

أما "محمود"، الأخ الصغير، فظل صامتًا على غير عادته، يقبض على طرف مقعد السيارة بقوة، كأنّ الرحلة ستأخذه هو لا أخاه.

في المطار، بدا كل شيء منظّمًا وباردًا، على عكس قلوبهم التي تغلي.

في المطار، وقف الجميع يودّعون "محمد". كانت "سحر" تبكي، ويدها تلوّح له بكل الدعوات في قلبها. 

"آمال" أخفت دموعها خلف نظارة سوداء. 
"محمود" كان متماسكًا، لكن عروقه كانت تنبض بألف كلمة لم تُقال. 

و"أحمد" ظل واقفًا حتى دخل "محمد" بوابة السفر.

حين اختفى مِن عيونهم، قالت "أم السيد": 
– "هذه الرحلة بداية، وليست نهاية... إن شاء الله يتجمع شملكما قريباً، وكل خطوة "لمحمد" تكون خطوة لفرحة كبيرة."

سكت الجميع، لكن في عيونهم… كان الأمل يرقص.


تقدّم "أحمد" نحو موظف التذاكر، قدّم الأوراق، وسلّم على "محمد":
– "أهتم لمستقبلك هناك... دير بالك على نفسك."

رد "محمد" بابتسامة مائلة، يخفي خلفها دمعة:

–  قال "أحمد"أوصِّي أبي سوف أعوّضه عن كل لحظة تعب، وقول لأمي... إنني لم أنساها ثانية واحدة."

هنا أقتربت الجدة "ذكية"، وضعت كفها المجعّدة على وجه حفيدها:
– "يا ابني... أمريكا بعيدة، لكن قلب أمك بداخلك ليس بعيداً عنك، تشعر به وقلبها يشعر بك لتترابطوا مِن جديد."

قبل أن يعبر "محمد" البوابة، التفت إلى "سحر"، نظرتها إليه كانت تحمل شيئًا أعمق مِن الحب، كانت تحمل سؤالاً أبديًا:
هل سيعود "محمد....؟ 
أم أنّ الهجرة تسلب الأرواح كما تسلب الأقدام ، وكما سلبت أبي وأمي والآن أخي "محمد....؟

"مدّ يده نحوها بلا كلمات، فاكتفت برفع كفها نحوه في وداعٍ لا يشبه الوداع، بل يشبه استسلامًا لمشيئة الله تعالى".

أما على الطرف الآخر مِن الكرة الأرضية، في "نيويورك"، كانت "أنعام" تُعدّ المائدة كأنّها تستقبل عيدًا.
"رفاعي" الأب بدا أكثر هدوءًا مما توقعته "أنعام"، لكنه كان يراقب الهاتف كل خمس دقائق، وكأنّ الطائرة ستهبط في رسالة قصيرة.

في الزاوية، جلس "عزيز"، العم الذي لم يرَ "محمد" قط، يصلح قميصه ويرتب شعره أمام المرآة الصغيرة.

همس "رفاعي" له:
– "عندما يراك "محمد" يا "عزيز" سوف يذكر ملامحي وأنا في ريعان الشباب، لأنك تشبهني كثيرا في شبابي..."
ضحك "عزيز":
– "لا داعي لهذا  الحنين ... أريد أن أرى "محمد" وأقول له: 
نحن معك لم تكن بمفردك."

المطار في "أمريكا" بدا مختلفًا، أكثر صمتًا، لكنه كان يحمل في صمته صوت الشوق المكتوم.

خرج "محمد" مِن الطائرة، يسير بخطى ثابتة، لكنه حين لمح "أمّه"، لم يستطع أن يخطو، بل توقف، تجمد، ثم أنطلق كطفل صغير، ارتمى في حضنها كأن كل الغربة أنتهت، وكأن كل الطرق وجدت نهايتها.                                      بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot