وقفت "أنْعام" عند الباب، تَمدُّ عينيها على تفاصيل البيت كمٓن يحتضنه بنظراتها الأخيرة، تهمس في سرّها كأنها تودّع الذكريات التي تراكمت على الجدران، والضحكات التي كانت تملأ الزوايا.
"سحر" الصغيرة تمسك بطرف ثوب أمها، وعيناها تمتلئان بالدموع التي تحاول أن تخفيها وكانت الآكثر إحساساً بينهم... بينما "محمود" كان يتظاهر بالقوة رغم صغر سنه، لكنه يقف ساكنًا لا ينبس بكلمة.
أما "محمد"، فقد كان في أقصى الصمت، كأن شيئًا أكبر مِن عمره يثقل قلبه.
الواقفون حول الأم كانوا كحلقة مِن المحبة والقلق "ذكية أم السيد"، تلك الجدة الحكيمة، تقف خلفهم تنظر بعينها العميقة التي ذاقت مِن الدنيا كثيرًا.
وبجانبها "آمال"، الابنة الكبرى، تحاول أن تكون متماسكة، لكنها تمسك بمنديلها بقوة كأنها تخنق دمعةً هاربة.
قالت "أنعام" بصوت متهدج وهي تحتضنهم واحدًا تلو الآخر:
"اعتنوا ببعض… أنا مسافرة لكن قلبي هنا، معكم، في كل ركن في البيت… "وسحر… أعتني بإخوتك، يا حبيبتي."
"أحمد"، الابن الواعي، حمل الحقائب بصمتٍ رجوليٍّ يشبه صمت أبيه "رفاعي" حين سافر.
لم يعلّق، لم يعترض، فقط نفّذ ما عليه.
فتح باب السيارة الأجرة، ساعد أمه على الجلوس، وتتأكد مِن الحقائب ثم التفت إليهم وقال:
"أدعوا لأمي توصل بالسلامة... وسافرها ليس بعيد، كلها شهور وتعود لنا لتأخذنا المسألة مجرد وقت ."
ركبت "أنعام" السيارة، ومضت ببطء، كأن كل خطوة لها نحو المطار تُنتزع مِن روحها، وتنتزع مِن قلوب خلفها.
لم تكن مجرد رحلة سفر، بل كانت بداية غياب... لا يعلمون متى ينتهي.
في الطريق إلى مطار القاهرة الدولي، كان الحديث خفيفًا، متقطعًا، تتخلله لحظات صمت طويلة.
تكلّمت "أنعام" عن العمل، وعن الرزق، وعن الله الذي لا ينسى أحدًا.
وكانت نظراتها مِن نافذة السيارة كأنها تبحث عن شيء تتركه هنا، شيئًا مِن روحها.
وصلوا إلى المطار، ودّعوها هناك بدموع محتبسة وصمت عميق، ثم عادت السيارة خالية مِن الأم... وعاد "أحمد" وحده، بجانب حقائب فارغة مِن الدفء.
عند عودتهم إلى البيت، خيّم الصمت. لم يكن المنزل كما هو... كل شيء كما تركته "آنعام"، لكن شيئًا ما تغيّر.
غابت الأم، وغابت معها الرائحة، والصوت، والطبطبة على الأكتاف.
"سحر" جلست في الصالة، تحضن دُميتها القديمة... بينما "محمد" تمدد بصمت فوق الأريكة، وعيناه تحدّقان في السقف كأنه ينتظر معجزة.
و"محمود" دخل غرفته، أغلق الباب، ولم ينبس بكلمة واحدة.
لكن هناك، وسط هذا الصمت، تحرّكت الجدة.
وقفت "ذكية أم السيد" في منتصف الصالة، بثوبها البسيط وطرحتها التي تخفي شيبًا ملأ الرأس، وقالت بصوتها الثابت:
"الذي يذهب لن يعود ، تأخذه الغربة لبعيد… أمكم سافرت، لكنها في الحياة باقية.
وغائب اليوم، سنجمع به في الغد إن شاء الله.
وأنا مِن قبل جربت هذه الفُرقة... عندما سافر "رفاعي" أبوكم، لم أدري أن الأيام تمر هكذا… على "أنعام" ابنتي لكن مرت."
أقتربت الجدة مِن "سحر"، وضمتها إلى صدرها، ومسحت على شعر "محمد"، ونادت على "محمود" حتى خرج مِن غرفته، ثم قالت:
"البيت سيظل حي طول ما أنتم فيه... طول ما في حب وعطاء وسند.
لابد أن تتماسكوا إيد واحدة... "سحر" تحب إخوتها، و"محمد" يسمع كلام أخته، و"محمود" ينضج ليصبح الكبير المسؤول."
ثم نظرت إليهم جميعًا:
"أنا سأظل معكم، وقلبي مع أمكم، أيدينا في أيد بعضنا البعض بداً واحدة.
وكل ما تشتاقوا لها، نرسل لها رسالة، ندعي لها، ونحكي لها عن يومنا... وهي تحس بنا، وتفرح بينا، وتدعي لنا."
في تلك الليلة، ورغم الغصة التي لم تزل في قلوبهم، نام الأحفاد على كلمات الجدة، كأنها وضعت على صدورهم بلسمًا مِن الدعاء والصبر.
وكانت الأم، مِن على بعد آلاف الأميال، ترفع يديها إلى السماء وتهمس:
"يا رب... أحفظهم لي، وأجمع بي و بهم على خير.
بيت بلا روح
كان صباح اليوم التالي للسفر مشمسًا، لكن دفء الشمس لم يدخل البيت كما أعتاد أن يفعل.
بدا البيت هادئًا إلى حدٍّ لا يُحتمل، وكأن الجدران تفتقد الضجيج الناعم لصوت الأم "أنعام"، ذلك الصوت الذي كان يوقظهم على مهل، يخبز لهم الحنان في الإفطار، ويربت على أرواحهم بكلمة دعاء قبل أن تخرج أقدامهم إلى الحياة.
"محمد" جلس على كرسيّه المتحرك، يُقلّب عينيه في الزوايا، يشعر أن البيت اتّسع أكثر مِن اللازم، أو ربما هو فقط أصبح أوسع بفقدان أمه.
نهض بتصميمٍ صامت، ساعده "أحمد" على النزول، وأصرّ على الذهاب معه إلى المحلّ الذي يعملون فيه بالتجارة معًا مع الغير، رغم إعاقته.
كانت خطوة صامتة نحو التحمّل، نحو إثبات أن الرحيل لا يكسرهم بل يوقظ فيهم الإرادة.
في الوقت ذاته، كانت "آمال" تمسح الأرض وتُغلي الماء، وتعدُّ الطعام، وتحمل الأطباق، وتسند جدتها
"ذكية أم السيد" التي كانت تُشرف عليها كقائدٍ حكيمٍ يُوزّع الإرادة على طاقمٍ صغير مِن الأمل. بقلم عاشقة الوطن. سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق