إلى القائمين على تشريعات الأحوال الشخصية، وإلى كل حريص على مستقبل الأسرة والمجتمع،
إن الأسرة ليست مجرد كيان قانوني ينظم النفقة والزيارة، بل هي المحضن الأول الذي يُصاغ فيه عقل ووجدان الإنسان. ومن منطلق المسؤولية المجتمعية، نضع بين أيديكم هذه الرؤية حول "معضلة سن الـ 15 عاماً" في قوانين الحضانة، والتي تحولت في واقعنا المعاصر إلى ثغرة تربوية كبرى يخرج منها المراهقون نحو الانحراف والجريمة.
تجربة الـ (7 و9 سنوات).. الحكمة في التوازن التربوي
لقد أثبتت تجارب دول عربية رائدة نجاحاً ملموساً بتحديد سن الحضانة بـ (7 سنوات للذكر و9 سنوات للأنثى). هذا النموذج لم يكن مجرد نص قانوني، بل استند إلى فلسفة "تكامل الأدوار":
بناء الشخصية: في السابعة، يحتاج الطفل للانتقال من "رعاية الأم" الوجدانية إلى "توجيه الأب" العملي، ليتعلم الانضباط والمسؤولية والخشونة الإيجابية قبل أن تتصلب ملامح شخصيته.
الوقاية من الاغتراب: هذا النظام يضمن للأب دوراً حقيقياً في التربية وهو لا يزال قادراً على التأثير، مما يحمي الابن من "الفراغ الأبوي" ويجعل سنوات التكوين رحلة مشتركة لا صراعاً على الاستحواذ.
المسألة ليست 'فراقاً : بل هي 'انتقال مسؤولية'. تجربة دول عربية عديدة أثبتت أن انتقال الحضانة في هذا السن يزرع الانضباط في الطفل وهو لا يزال مرناً. أما انتظاره لسن الـ 15 فهو استدعاء للأب بعد فوات الأوان، حيث يصطدم المراهق بوالده كأنه 'سجان' غريب، وليس مربياً.
غياب الأب في هذا السن : الأخلاق تُبنى بالقدوة والمتابعة. الإحصائيات تؤكد أن أغلب 'جرائم الأحداث' ناتجة عن تشتت أسري وغياب الرقابة الأبوية. الشارع لا يرحم، والمراهق بلا 'بوصلة أبيه' في البيت هو فريسة سهلة لرفقاء السوء وسموم الإجرام .
غياب الأب.. البيئة الخصبة لنشوء الجريمة
إن الارتفاع الملحوظ في معدلات "جرائم الأحداث" اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج مباشر للتشتت الأسري الذي يشرعنه القانون بمد الحضانة لسن متأخرة.
حين يغيب الأب عن المشهد اليومي لابنه حتى سن الـ 15، يفقد المراهق "صمام الأمان" والرادع الحقيقي داخل منزله.
في ظل هذا الفراغ الرقابي، يقع المراهق فريسة لـ "بدلاء الأب" في الشارع؛ من رفقاء سوء يجرونه لدوائر المخدرات أو العنف، محاولاً إثبات رجولته المفتقدة بسلوكيات إجرامية طائشة تعوض غياب القدوة في بيته.
صدمة الـ 15 عاماً.. التدخل بعد فوات الأوان
إن محاولة "إقحام الأب" في حياة ابنه فجأة عند سن الـ 15 هي محاولة لترميم بناء قد تداعى بالفعل. فالمراهق في هذه السن الحرجة:
يرفض السلطة الجديدة: فهو لم يعتد على طباع والده أو حزمه منذ الصغر، مما يولد صداماً عنيفاً.
العدائية تجاه المجتمع: ينظر لوالده كـ "سجان" يتدخل في شؤونه فجأة، وهو ما ينعكس كتمرد على كل الأنظمة والقوانين الخارجية لاحقاً.
الضياع النفسي: يتحول من "ضحية تشتت" إلى "مشروع مجرم" متمرد، لا ينتمي لبيت أمه ولا يتقبل بيت أبيه.
الدعوة للتغيير
إننا نطالب بوقفة جادة لإعادة النظر في قوانين الحضانة لتكون "تشاركية و فعلية" تضمن وجود الأب في حياة ابنه في سن التمييز (السابعة)، اقتداءً بالتجارب الناجحة التي وازنت بين العاطفة والانضباط.
إن حماية الأمن القومي تبدأ من استقرار البيت؛ والوقاية من الجريمة تبدأ بإعادة الأب لمكانته الطبيعية كقائد ومربٍّ، قبل أن يختطف الشارع أبناءنا ويحولهم إلى أرقام في سجلات الانحراف.
حفظ الله أبناءنا، وحمى مجتمعاتنا من كل سوء.
بقلم: سامح محمد رياض حسين
مستشار للجنة العليا لشؤون حقوق الانسان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق