مرّت الأيام كأنها تجرّ خلفها خيوط الشمس، حتى جاء اليوم المنتظر…
يوم عودة "أنعام" إلى "مصر".
هبطت الطائرة في مطار "القاهرة"، وكانت "أنعام" تحمل بين يديها شوقَ عامٍين كاملين، و حقيبة ممتلئ بالهدايا البسيطة، ورسالة مكتوبة مِن "رفاعي" بخط يده، أودع فيها سلامًا حارًا "للجدة ذكية" والأولاد.
استقلّت "أنعام" سيارة إلى "بورسعيد"، والنبض يتسابق داخل صدرها.
كانت تتلفّت مِن نافذة السيارة كأنها تبحث عن شيء ضاع منها بين الموانئ والمحال القديمة.
وعندما وصلت أخيرًا إلى البيت، هرع "محمود" يفتح الباب، فصاح:
– "أمي...."
تجمّع الجميع حولها، "سحر"، "وآمال، "والجدة ذكية" التي قامت مِن مكانها رغم تعب العظام، وأخذت "أنعام" في حضنها طويلًا.
قالت بصوت مختنق:
– "وحشتيني يا ابنتي… كنت خائفة أن أموت دون أن أراكِ."
انهالت الدموع، والتفّت الأسرة في لحظة دافئة، شعرت فيها "أنعام" كأن الزمن انكمش في حضن أمها.
في اليوم التالي، ذهبت "سحر" إلى مدرستها وهي لا تكاد تُخفي ابتسامتها، تحمل حقيبتها بشكل مختلف، كأنها تحمل سرًّا عظيمًا لا يصدّقه أحد.
وعندما أخبرت زميلاتها بأنها ستغادر إلى "أمريكا" مع والدتها، قاطعتها إحدى الطالبات بسخرية:
– "هو في أحد ممكن يسافر إلى أمريكا بكل سهولة؟!
أنتِ تحلمين يا سحر."
وقالت أخرى:
– "هل والدتك كانت في "أمريكا" منذ سنتين....؟!
هذا فيلم أم مسلسل....؟"
حتى المُدرسة لم تصدّق:
– "ماذا تقولين....؟
والدتك جاءت مِن "أمريكا" لتأخذك معها....؟
هل ترى أن هذه الحكاية كبيرة.....؟!"
رجعت "سحر" إلى البيت ووجهها حزين، وقالت "لأنعام":
– "لم يصدقني أحد يا أمي ضح
زملائي سخروا مني."
ردّت "أنعام" بابتسامة واثقة:
– "اتركيهم اليوم… وغداً إن ناظرة قريب."
في صباح اليوم التالي، ارتدت "أنعام" ملابس رسمية، وذهبت مع "سحر" إلى المدرسة.
دخلت إلى مكتب المدير،
وقدّمت الأوراق بهدوء:
– "أنا والدة الطالبة سحر "رفاعي" جئتُ لسحب ملفها لأنها ستسافر معي إلى الخارج."
كان المدير مذهولًا، والسكرتيرة تنظر إليها بانبهار، أما المُدرّسة التي شكّكت بالأمس، فخرجت مِن الفصل لترى بعينها.
وفي فناء المدرسة، كانت الطالبات يتناقلن الخبر:
– "تصدقي....؟
أمها جاءت فعلاً مِن أمريكا...!"
– "وسحر" سوف تسافر بالفعل…"
سحبت "أنعام" الملف بهدوء، ثم نظرت إلى ابنتها وقالت:
– "الأن يا ابنتي علموا انكِ على حق ....؟"
ردّت "سحر" وهي تبتسم ابتسامة المنتصرين:
– "نعم يا أمي… اليوم هو يوم ردّ اعتباري."
ثم توجهت "أنعام" إلى مدرسة "محمود"، وأجرت الإجراءات نفسها، وبعدها بدأت رحلتها في جمع الأوراق، وتجهيز الجوازات، والتردد على المصالح الحكومية، وكلها خطوات تحملها بكل عزيمة، فقد كانت تحلم بهذا اليوم منذ أن افترقت عن أولادها.
وفي المساء، إجتمعوا جميعًا حول المائدة.
قطعة كيك بسيطة، وأكواب شاي، لكن المذاق كان مختلفًا.
قالت الجدة "ذكية":
– "تتذكرون عندما كان يعمل والدكم في البحر....؟
ويأتي ومعه السمك الطازج مِن البحر .....؟"
ضحكت "أنعام":
– "كان يصرف بعقل، ويوزّع الرغيف بعدل...!"
قال "محمود":
– "ونتذكر عندما عمل "محمد" في صيانة ماكينة الطوابع وكان يعود بملابسه مليئة بالشحم....؟
عشان يساعد ماما!"
ضحكت "سحر" وهي تضع يدها على خدها:
– "كان "محمد" يقول لي: عيشِ حلمك حتى لو الدنيا تكذبك."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال "محمود" بنبرة خفيفة:
– "هول نحن عندما نسافر سنعود ...؟"
ردّت "أنعام" بحزم وحنان:
– "الرجوع ليس شرط يكون للمكان… الرجوع الحقيقي هو أنك تظل ابن بلدك، حتى لو كنت بعيد عنها."
وفي عيونهم، انعكس الحنين بأكمله.
الغربة ما زالت مجهولة، لكن لمّ الشمل صار أقرب من أي وقتٍ مضى. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق