الاثنين، 9 مارس 2026

الوداع الأخير


في صباح اليوم التالي، ارتدت "أنعام" ملابسها على عجل، وخرجت تحمل بين يديها حقيبة صغيرة وأوراقًا كثيرة.

توجّهت إلى مصلحة الحجوزات، تتنقّل بين المكاتب، وعيونها لا تتوقّف عن متابعة أسماء الأولاد في الأوراق، وكأنها تحرسهم مِن الخطأ حتى في البيانات.

انتظرت ساعات طويلة لإنهاء الإجراءات، حتى توصّلت أخيرًا إلى موعد السفر، حملته على ورقة مطبوعة، تنظر إليه كمن ينظر إلى بداية طريق جديد... طريق فيه قلق، لكنه ضروري، ومليء بالأمل.

وفي مساء ذلك اليوم، جلست مع الجدة "ذكية" في غرفة المعيشة، قالت بأنفاسٍ متقطعة:

– "منتظره "أحمد"، يعود مِن الوحدة العسكرية آخر الأسبوع… لن أسافر دون أن أراه يا أمي."

– "بإذن الله تعالى يعود بالسلامة… هذا ابنك ومثلك في الحنية، ومهما كبرتِ، يكون السند لكِ يا أنعام."

قالتها الجدة وهي تخبئ دموعها تحت نظارتها القديمة.

وبعد مرور الأيام وكانت الأم تجهز الأوراق وتتجول على مكاتب المصالح الحكومية والسفارة ، وكانت تنتظر رجوع "أحمد" مِن الجيش ، حيث موعد إجازته.

وجاء "أحمد…
وقف أمام البيت، والهالة العسكرية حوله، لكن وجهه كان مزيجًا مِن الفرح والارتباك.

عندما رأى والدته، تقدّم واحتضنها بقوة، كأنه يُطيل المدة بين العناق والرحيل.

– "طمئنيني عليكِ يا أمي .....؟"
ــ أجابت "أنعام" الحمد الله بخير ونعم.
– "وحشتني يا "أحمد… عدت في الوقت المناسب."

جلس الجميع، والحديث.... بدأ يتفرّع "أحمد" يسأل عن محمد، وسحر تحكي له عن المدرسة، و"محمود" يضحك مِن موقف حدث معه في طابور الصباح، و"آمال" تلزم الصمت، عيناها تتجولان في أركان البيت وكأنها تُودّعه في صمت الطفولة.

في الليلة الأخيرة، لم تنم "سحر" كعادتها.
جلست عند النافذة، تتأمل السماء، وتفكر في صديقاتها في المدرسة في الدفاتر المملوءة بعبارات "صديقة العمر".

دخلت "أنعام" إلى الغرفة، فوجدتها غارقة في الصمت.

– "سحر"، حبيبتي لما الحزن...؟"
– " لست حزينة يا أمي، لكنني خائفة… سوف أفارق كل شيء  أعرفه."

– "أنا معاكي يا ابنتي، لم اتركك … وسوف نبدأ صفحة جديدة… بها جهد ومشقة، جائز، لكن فيها أمل كبير."

أما "محمود"، فكان أكثرهم صمتًا، لكنه أخفى مشاعره في ترتيب حقيبته، كتب أسماء أصدقائه على الورق، وضع صورة جماعية في جيبه الخلفي، وكتب خلفها:

"أنا راحا… لكن سأترك قلبي هنا."

و"آمال"، تلك الطفلة التي عاشت في دفء الجدة، اختبأت في حضنها ليلًا، وهمست:

– "لا أريد أن أسافر يا جدتي… هذا البيت فيه رائحتك و ذكريات طفولتنا."

قالت الجدة وهي تحاول أن تتمالك نفسها:
– "سأظل في قلبك… وسوف تتأقلمين لا تنظري للخلف ، المستقبل أمام عينيك."

وجاء يوم السفر.

الحقائب مصطفّة أمام الباب، الأولاد واقفون بملابس السفر، الجوازات بيد "أنعام"، وورقة الموعد تطلّ مِن حقيبتها مثل مرآة لقدرٍ لا رجعة فيه.

في بهو المطار، وقف أحمد يرتّب الحقائب، والجدة "ذكية" تجلس على كرسي بالمطار، وعيناها لا تفارقان الأحفاد.

قال "أحمد" وهو يربّت على كتف "محمود":
– "أنت راجل… أحمل عن والدتك هناك، مثل ما أفعل دائماً وأبي و من بعده "محمد."

احتضنه "محمود" بقوة، وقال:

– " سوف أشتاق إليك يا "أحمد."
أما "سحر"، فوقفت أمام الجدة، وقالت بصوت مرتجف:

– "سأرسل لِكِ دائمًا يا جدتي… وسوف أرسل لكِ صور من هناك."

قالت الجدة:
– "ديري بالك على نفسك، وعلى "آمال"، … ولا تنسوا بلدكم مصر."

أقتربت "أنعام" من والدتها، وانحنت تُقبّل يديها:
– "سامحيني يا أمّي… لكن يجب أن أسافر لجمع شملنا."

قالت الجدة وهي تمسح دمعة نزلت دون إذن:
– "ربنا يسعدك…، بدعي لكِ من قلبي."

نادت الإذاعة عن الرحلة:
"رحلة الطيران رقم (.63..) إلى "نيويورك… المتجهة إلى البوابة رقم 5، الرجاء التوجّه."

نظرت "أنعام" إلى أولادها، وقالت:
– "هيا بنا يا أولادي… الرحلة بدأت."

ساروا جميعًا، وعيونهم تمشي خلفهم "أحمد" واقف، لا يلوّح بل يبتلع الغصّة، والجدة تشهق بصمت.

أما البيت في بورسعيد… فصار فجأة أوسع مِن قبل، وأهدأ مِن العادة.                                        بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot