كانت الكلمات لا تزال تصدى في أذن "أنعام"، جافةً كأنها صفعة قدرٍ لا يُرد.
تماسكت بشجاعة لا تعرف مصدرها، واتصلت "بأحمد" بصوتٍ مبحوح:
– "أحمد"، أخيك "محمد... عمل حادث موتوسيكل... إذهب إلى المستشفى العام، وسوف ألحقك بالطريق فوراً.
أغلقت الهاتف دون إنتظار جواب، والتفتت إلى "آمال" المرتجفة بجوارها، فشدّت على يدها:
– إنتظري في البيت، حتى تأتي "سحر" و"محمود" وعند عودتهم مِن المدرسة، وأول ما يأتوا أبلّغي جدتك "زكية أم السيد" بالذي حدث، لكن إياك أن تتحركِ مِن البيت حتى تأتي جدتك و أخوتك ،إلى أن أعرف ماذا حدث لإبني"محمد" وكيف حالته .
أومأت "آمال" برأسها بصمت، ودموعها تسيل بلا صوت.
ارتدت "أنعام" طرحتها بسرعة، وخرجت مِن الباب مهرولة، تدفعها غريزة الأمومة نحو المجهول، نحو المستشفى، نحو مصير لا تدري عنه شيئًا سوى كلمة واحدة "حادث", إبني "محمد " إبن عمري ، و كانت عيناها تذرف بالدموع، لا تدري كيف تسير بخطواتها غير التوجه إلى المستشفى.
حين وصلت إلى المستشفى، كان "أحمد" واقفًا عند الباب، أنفاسه متقطعة ووجهه شاحب.
قالت "أنعام" أين أخيك يا "أحمد"ماذا حدث لإبني....؟
–قال أحمد دخل منذ دقائق قبلك بلحظات يا أمي، قالوا لي إنه دخل إلى غرفة العمليات على الفور.
هرعت "أنعام" نحو مكتب الإستقبال بالمستشفى، تكاد لا تُسيطر على خطواتها:
– ابني"محمد رفاعي" عمل حادث موتوسيكل، أين هو...؟!
رفعت الممرضة رأسها بهدوء وهي تقول:
– في غرفة العمليات... بالدور الثاني،
فسألت لماذا دخل العمليات ...؟ حصل لإبني ايه .....؟
طمنيني يا ابنتي أنا أمه ، أنا أم قلبي يؤلمني على ابني.
"لم تسمع "أنعام" ما تقوله الممرضه فتسألها ثانية فتعيد عليها والأعصاب متوترة.
الصدمة كلها في قدم ابنك وهو في العمليات الأن وبإذن الله تعالى تكون بسيطه ، هذه الكلمات وقعت كالسهم تتبعها دموعها وتلهج شفتاها بالإستغفار".
و يصبرها أحمد ويحاول أن يهدأ أمه مِن روعها.
وهو متوتر أكثر منها على أخيه وقفت أمام غرفة العمليات، كأنها تقف على حافة عمر، هى و"أحمد" ينتظران على الباب كأنه بوابة بين الحياة والموت.
مرّت ثلاث ساعاتٍ كاملة.
ثلاث ساعات لم تكن وقتًا، بل عُمْرًا مِن القلق. كأنهما ثلاث سنوات.
ثم...
فُتح باب غرفة العمليات. وخرج الطبيب، تتصبب مِن جبينه قطرات عرقٍ، وعيناه تلمعان لنجاح مهمته.
أسرع إليه "أحمد" ووالدته، وقلبها يخفق كأن كل ضربةٍ منه دعوة نجاة.
– دكتور، ابني... "محمد" كيف حاله ...؟!
ماذا به....هل هو بخير.....؟!
تنهّد الطبيب، وقال بنبرةٍ مطمئنة:
– الحمد لله، هو بخير... العملية أنتهت على خير، ونحن قمنا بعمل اللازم ، لا تقلقي.
كان الحادث شديد، والحادثة في الساق كانت معقّدة، لكن قدر الله وما شاء فعل.
أصارحك بالحقيقة... هو نجا مِن الموت بمعجزة.
– الحمد لله... الحمد لله، قالتها الأم وهي ترفع كفّيها للسماء.
– لكن الزيارة ممنوعة عنه الأن، لأنه تحت تأثير البنج الكلّي، يحتاج راحة تامة.
بعض الوقت و سوف يفيق ويمكنك ان تدخلي لتطمئني عليه بنفسك.
لم تنتظر "أنعام "هذا الوقت، بل أنتظرت على الكرسي أمام باب غرفته مثلما تنتظر الروح عودة الجسد.
وبعد مضيّ بعض الوقت، وبتوسّلٍ رقيق إلى الممرضة والدكتور، قالت كلماتها التي
تخرج مِن صدر أمٍّ مكسور:
– أريد أن أرى ابني، أطمن إنه بخير....!!!
سمحوا لها أخيرًا بالدخول، على أن تكون الزيارة دقيقة واحدة.
دخلت الغرفة بخطوات بطيئة، ورائحة المطهر تملأ صدرها، والهدوء يخيّم إلا مِن صوت أجهزة المراقبة.
رأته...
كان مستلقيًا على السرير، مغطى بملاءة بيضاء، وجهه شاحب، وعيناه نصف مفتوحتين بين غيبوبة البنج والوعي.
أقتربت "أنعام" وهمست بصوتٍ مخنوق:
– "محمد... يا ولدي... أنا هنا يا حبيبي...
تحرّكت شفتاه قليلاً، كأنه يحاول النطق بإسمها... ثم تاه.
أقتربت منه أكثر، وجلست عند طرف السرير، ثم تذكرت كلام الشرطي الإصابة في قدمه... فرفعت بطرف أصابعها طرف الغطاء، لتطمئن.
لكنها حين رفعت الملاءة...
شهقت شهقةً قطعت سكون الغرفة.
عيناها وقعتا على الرجل... المبتورة
إلى الركبة رجلٌ واحدة...!!!
ورجلٌ لم تعد هناك.....!!!
إنهارت وسقطت على الأرض بجوار السرير، وهى تضرب على صدرها بكفّها...لحالة إغماء مِن الصدمة، فأسرع "أحمد" ليأتي بالممرضة لإفاقة أمه ، فأخذت الأم لغرفة أخري لعمل اللازم، وكان "أحمد" قلق على أخيه مِن جهة وعلى أمه مِن جهة أخرى .
وعند إفاقة "أنعام" ، توجهت إلى غرفة "محمد" وحاول "أحمد" وبعض الممرضات منعها مِن الدخول ، فصممت أن تدخل حتي تكون بجانب ابنها، فلا أحد استطاع أن يوقفها وعند دخولها لغرفة "محمد" .
بكت بكاءً لم يُسمع له مثيل،
– يا ولدي قلبي يؤلمني عليك يا "محمد...
يا نبض قلبي...
مٓن أخَذ قدمك يا نور عيني.....؟!
ماذا أصابك يا عمري....؟! بقلم. عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق