الأحد، 29 مارس 2026

حين يتحول الحب إلى استنزاف: كيف نُخطئ في فهم العطاء داخل العلاقات؟

د. سوهير الطويل – باحث اجتماعي ونفسي  وتربوي 
في بداية كل علاقة، يبدو العطاء فعلًا نقيًا، بسيطًا، يكاد يكون فطريًا. نعطي لأننا نحب، ونبذل لأن في داخلنا رغبة صادقة في الاحتواء. لكن ما لا ينتبه له كثيرون، أن العطاء إذا لم يُضبط بالوعي، قد يتحول تدريجيًا من قيمة إنسانية راقية… إلى أداة استنزاف نفسي عميق.
المشكلة لا تكمن في العطاء ذاته، بل في "الدافع الخفي" وراءه.
هناك فرق جوهري بين أن أعطي لأنني أملك، وبين أن أعطي لأنني أخشى الفقد.
الأول نابع من امتلاء داخلي، أما الثاني فمحمّل بالقلق، والتعلق، والحاجة إلى القبول.
في الحالة الثانية، يتحول العطاء إلى ما يشبه "صفقة غير معلنة":
أنا أعطيك كل شيء… فقط لا تتركني.
وهنا تبدأ المأساة.
لأن الطرف الآخر—سواء بوعي أو دون وعي—قد يعتاد هذا النمط، ويصبح الأخذ هو الوضع الطبيعي، بينما يظل العطاء من طرف واحد هو القاعدة غير المتوازنة. ومع الوقت، يبدأ المُعطي في الشعور بالإرهاق، ثم الاستياء، ثم الغضب الصامت… لكنه رغم ذلك، لا يتوقف.
لماذا؟
لأن التوقف بالنسبة له ليس مجرد قرار، بل تهديد لهويته العاطفية.
هو لا يرى نفسه فقط كشخص يعطي… بل كشخص "يستحق الحب لأنه يعطي".
وهنا تكمن أخطر نقطة في الاستنزاف العاطفي:
حين يصبح العطاء وسيلة لإثبات القيمة الذاتية، لا تعبيرًا عنها.
هذا النمط غالبًا ما يتشكل في بيئات نشأ فيها الفرد وهو يتلقى حبًا مشروطًا:
أن تكون جيدًا، مطيعًا، مُرضيًا… حتى تُحب.
فيكبر وهو يحمل هذا الاعتقاد دون وعي:
"لن أكون محبوبًا إلا إذا بذلت أكثر مما ينبغي."
في العلاقات الزوجية تحديدًا، يظهر هذا بوضوح:
طرف يتحمل فوق طاقته، يسامح بلا حدود، يتنازل عن احتياجاته الأساسية، ويبرر كل ذلك باسم الحب… بينما هو في الحقيقة يهرب من مواجهة خوفه الأعمق: الرفض أو الهجر.
لكن الحقيقة التي قد تكون قاسية للبعض هي:
العلاقة التي تقوم على العطاء غير المتوازن، ليست علاقة صحية… حتى لو استمرت.
الاستمرار لا يعني النجاح، بل أحيانًا يعني الاعتياد على الألم.
العطاء الصحي لا يُلغِي الذات، بل يحميها.
ولا يُقدَّم بدافع الخوف، بل بدافع الاختيار.
ولا يستمر في بيئة لا تُقدّره، بل يتوقف عند أول إشارة استنزاف.
إعادة التوازن تبدأ بسؤال بسيط لكنه صعب:
هل أنا أعطي لأنني أريد… أم لأنني أخاف؟
الإجابة على هذا السؤال قد تُربكك، لكنها بداية حقيقية للتحرر من دائرة الاستنزاف.
لأن الحب الحقيقي لا يُقاس بكم نعطي،
بل بقدرتنا على أن نظل متزنين… ونحن نحب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot