بعد أن وضعت "آنعام" الهاتف جانبًا، ظلّت عيناها معلقتين في السقف الأبيض، كأنها تنظر عبره إلى السماء التي تفصل بينها وبين أولادها، و ما بين الشوق والحنين شعرت بشيء مِن الراحة، وكأن صوت سحر وطمأنة أمها قد ربطت على قلبها، وربط على وحدتها، وذكّرها أن الأمومة لا تنتهي عند باب الطائرة فقط، بل تسافر معها أينما كانت.
نهضت مِن على الأريكة بهدوء، وابتسمت "لرفاعي" الذي كان يراقبها بصمت، وقالت له:
"أنا بخير... أفضل مِن قبل… بعد سماع صوت الأولاد شعرت بالراحة في قلبي."
ردّ بابتسامة خفيفة:
"وأنا وعدتك أنك لن تتألمي هنا، وسوف نعيش على خطى مدروسة، مِن أجل ترتيب أمورنا لجمع شملنا مع أولادنا."
في صباح اليوم التالي، عرض عليها "رفاعي" أن تخرج معه لقضاء بعض المتطلبات.
ارتدت حجابها البسيط، ومعطفًا رماديًّا أهدته لها "آمال" ليلة السفر، وربطت الحقيبة الصغيرة على كتفها، ثم نظرت في المرآة لحظة طويلة، كأنها تتفقد ملامحها في المدينة الجديدة.
خرجت مع "رفاعي"، وكانت السماء صافية، والشوارع مبللة مِن مطر الليل، والهواء باردًا يلسع وجنتيها. كان الناس مِن حولها يسرعون في خطواتهم، لا أحد ينظر إلى الآخر.
الوجوه مختلفة، الألوان متعددة، اللغات تتداخل على الأرصفة، والسيارات تصفر بلا توقف.
"رفاعي" كان يشرح لها بعض الأماكن:
"هنا السوق الكبير… وهناك في الجهة الأخرى المصنع الذي سوف تعملين فيه… قريب مِن البيت، والناس فيه طيبين، أغلبهم مهاجرين مثلنا."
لكنها كانت تُصغي بانبهار، لا للكلام، بل لكل شيء حولها.
هذه أول مرة ترى فيها بنايات عالية تحت السماء، وأرصفة لا تنام، ومحلات تبيع كل شيء مِن كل بلاد العالم.
شعرت أن هذه المدينة تشبه الحلم… الحلم المربك والمثير في آنٍ واحد.
دخلوا أحد المتاجر الكبرى، وتجوّلت بين الأرفف بعينين تلتهمان كل التفاصيل.
الأطعمة، الثياب، اللغات، الأصوات، حتى طريقة ابتسامة البائعين كانت مختلفة.
قالت بصوت هامس "لرفاعي":
"نحن كأننا في كوكب ثاني... هنا كل حاجة غريبة… لكن جميلة."
ابتسم وأومأ برأسه وقال:
"الغربة ليست بالمسافات…وإنما الغربة عندما نشعر أننا لن ندرك التأقلم و العيش في المكان الذي نتواجد فيه، لكن عندما نكن دائماً متحدين ويداً واحدة ، يكن هناك وطن بداخل الغربة."
فقالت "أنعام" الغربة لم تكن بالمكان إنما الغربة عندما نكون وحدين بلا رفيق في حياتنا.
حين عادوا إلى البيت، كان عزيز، أخو "رفاعي"، في استقبالهم.
فتح الباب وهو يبتسم بعينين حانيتين، وقال:
"أهلًا "بأم محمد... نورتِ بيتك ، وشرف كبير لنا وجودك."
صافحته "آنعام" بلطف وقالت:
"أهلا بك البيت دائم نوره بكم.
قال "رفاعي…" :
ربنا يجمعنا دائمًا على خير."
كان "عزيز "رجلًا في منتصف الأربعين، لم يتزوج، يعيش وحيدًا في شقةٍ قريبة، ويعمل في مصنع منذ زمن بمدينة "نيويورك"، لكنّه كان صاحب قلب واسع، وابتسامة لا تفارقه.
عرض عليها أن يساعدها إن احتاجت شيئًا، وأكد لها أن وجودها سيكون إضافة لا غُربة.
وفي المساء، جلست "آنعام" تُفرغ ما في حقائبها، رتّبت ثيابها في الخزانة الخشبية الصغيرة، ثم أخرجت صورة لأولادها وضعتها على الطاولة بجوار السرير.
ثم كتبت على دفتر صغير، أحضرته معها مِن "مصر"، أول سطر:
"اليوم الأول لي في "نيويورك... "قلبي في "القاهرة"، ويدي هنا بنيويورك."
في الأيام التالية، بدأت "أنعام" تستعد للعمل.
أشترت ثوبًا بسيطًا يناسب المصنع، وأعدّت حقيبة صغيرة، وبدأت تحفظ طريق الحافلة التي ستقلّها إلى هناك.
شعرت بشيء يشبه الأمل، كأنها تبدأ فصلًا جديدًا في حكايتها، رغم كل الخوف والاشتياق.
و"رفاعي"، الذي كان دائمًا هادئًا، بدأ يراها كما رآها أول مرة:
امرأة قوية، تمشي على قلبها لتفتح للأمل بابًا، وتضيء الغربة بنورٍ من الداخل.
وكان "عزيز" يمرّ كل مساء ليسألها:
"هل تحتاجين شيئاً يا "أم محمد....؟"
فترد دائمًا:
"ربنا يجعل أيامك دون أن تحتاج لأحد ، سلمت يا "عزيز" من كل سوءكل المستلزمات موجودة والحمد الله، لم ينقصنا شيئاً."
وهكذا، بدأت "أنعام" تنسج خيوط حياتها الجديدة، بخيوط الغربة، والصبر، والمحبة، وحنينٍ يلوّح في السماء كلما تذكّرت بيتًا صغيرًا هناك… في حضن "مصر". بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق