د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي
في السنوات الأخيرة أصبح كثير من الناس يمرون بتجربة مؤلمة في علاقاتهم الإنسانية. شخص كان موجوداً في حياتهم بشكل يومي، يتحدث ويهتم ويشارك تفاصيل يومه، ثم فجأة يختفي بلا أي تفسير. لا اتصال ولا رسالة ولا حتى كلمة وداع. هذه الظاهرة التي انتشرت في العلاقات الحديثة يطلق عليها في علم النفس "الانسحاب الصامت" أو ما يعرف بالـGhosting، وهي ليست مجرد سلوك عابر، بل موقف يترك أثراً نفسياً واضحاً لدى من يتعرض له.
من منظور نفسي، هذا السلوك لا يحدث غالباً لأن الطرف الآخر ارتكب خطأ كبيراً، بل يحدث في كثير من الأحيان لأن الشخص الذي ينسحب لا يمتلك القدرة على المواجهة أو لا يجيد إنهاء العلاقات بطريقة ناضجة. فهناك من يخاف من الحوار الصريح، وهناك من يفضل الهروب من المواقف العاطفية المعقدة بدلاً من تحمل مسؤولية مشاعر الطرف الآخر. لذلك يختار البعض الطريق الأسهل بالنسبة له وهو الاختفاء المفاجئ.
المشكلة أن هذا الاختفاء يترك الطرف الآخر في حالة من الحيرة والتساؤلات المستمرة. يبدأ الإنسان في التفكير: ماذا فعلت؟ هل أخطأت في شيء؟ لماذا تغير فجأة؟ هذه الأسئلة قد تفتح باباً واسعاً للتفكير الزائد والقلق، لأن العقل بطبيعته يبحث دائماً عن تفسير لما يحدث حوله، وعندما لا يجد إجابة واضحة يبدأ في صناعة احتمالات قد تكون مؤلمة أو غير صحيحة.
في بعض الحالات قد يؤثر هذا الموقف أيضاً على ثقة الإنسان بنفسه. فالبعض يبدأ في تفسير الانسحاب على أنه دليل على عدم كفايته أو أنه غير جدير بالاهتمام أو التقدير. لكن الحقيقة النفسية تقول إن الانسحاب الصامت يكشف غالباً عن ضعف لدى من يقوم به أكثر مما يكشف عن نقص لدى من تعرض له. فالشخص الناضج نفسياً يستطيع أن يعبر عن مشاعره بوضوح، ويستطيع أيضاً أن ينهي العلاقة بطريقة محترمة حتى لو كان القرار صعباً.
العلاقات الإنسانية الصحية تقوم في الأساس على الوضوح والاحترام المتبادل. وحتى عندما تصل العلاقة إلى نهايتها، فإن النهاية الطبيعية تكون بالحوار الصادق وليس بالاختفاء المفاجئ. لذلك من المهم ألا يربط الإنسان قيمته الذاتية بتصرفات الآخرين، لأن بعض السلوكيات تعبر عن شخصية صاحبها وطريقة تعامله مع الحياة أكثر مما تعبر عن قيمة الطرف الآخر.
وفي النهاية، يجب أن ندرك أن العلاقات الحقيقية لا تحتاج إلى الهروب ولا تقوم على الغموض. العلاقات الناضجة تقوم على الصراحة والاحترام، وعندما تتوافر هذه القيم تصبح العلاقة أكثر استقراراً ووضوحاً، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على حماية صحته النفسية وتقدير ذاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق