الخميس، 26 مارس 2026

‏حين يتحوّل الضحك إلى أذى… التنمر بين الأصدقاء في المدارس

‏كتبت أ هبة رأفت
‏ أستاذة علم النفس التربوى والتربية الخاصة والإرشاد الأسري 
‏في السنوات الأخيرة، لم يعد التنمر سلوكًا فرديًا عابرًا داخل المدارس، بل أصبح ظاهرة متنامية تتسلل إلى العلاقات بين الأصدقاء أنفسهم. والأخطر من ذلك أن هذا السلوك بات يُقدَّم أحيانًا في صورة ترفيهية جذابة، كما يظهر في بعض البرامج التي يقدمها رامز جلال، مما يدفع عددًا من الطلاب إلى تقليد هذا النمط من “المزاح” دون إدراك لآثاره النفسية العميقة.
‏بين المزاح والتنمر… خط فاصل
‏قد يختلط الأمر على كثير من الطلاب بين المزاح المقبول والتنمر المؤذي. فالمزاح الحقيقي يقوم على الضحك المشترك دون إهانة، بينما يعتمد التنمر على السخرية، والتقليل من شأن الآخر، وإحراجه أمام الآخرين. وهنا تكمن المشكلة؛ إذ يظن الطالب أنه “يمزح”، بينما يترك في نفس صديقه جرحًا لا يُرى.
‏لماذا يقلد الطلاب هذا السلوك؟
‏التقليد هو أحد أهم أساليب التعلم لدى الأطفال والمراهقين. فعندما يشاهد الطالب شخصية مشهورة تستخدم السخرية وتلقى تفاعلًا وضحكًا واسعًا، يترسخ في ذهنه أن هذا السلوك مقبول بل ومحبوب. كما أن غياب التوجيه الكافي من الأسرة أو المدرسة يزيد من احتمالية تبني هذا النمط دون نقد أو وعي.
‏آثار لا تُرى… لكنها عميقة
‏التنمر لا يتوقف عند لحظة الضحك، بل يمتد أثره إلى:
‏ضعف الثقة بالنفس
‏القلق والانطواء
‏تراجع المستوى الدراسي
‏اضطرابات نفسية قد تستمر لفترات طويلة
‏وقد يتحول الطالب المتنمر نفسه إلى شخص يعتمد على إيذاء الآخرين ليشعر بالقوة أو القبول.
‏كيف نواجه هذه الظاهرة؟
‏أولًا: دور المدرسة
‏المدرسة ليست مكانًا للتعلم الأكاديمي فقط، بل بيئة لبناء الشخصية. ومن هنا يجب:
‏نشر الوعي بمفهوم التنمر وآثاره
‏وضع قواعد واضحة تمنع السخرية والإيذاء
‏تدريب المعلمين على التدخل المبكر
‏تعزيز ثقافة الاحترام والتعاطف بين الطلاب
‏ثانيًا: دور الأسرة
‏الأسرة هي الحصن الأول، ويقع على عاتقها:
‏الحوار المستمر مع الأبناء
‏توضيح الفرق بين الترفيه والسلوك المقبول
‏مراقبة ما يشاهده الأبناء دون فرض قسري
‏تقديم القدوة في احترام الآخرين
‏ثالثًا: توجيه الإعلام بشكل واعٍ
‏ليس المطلوب منع المحتوى الترفيهي، بل:
‏تعليم الأبناء التفكير النقدي فيما يشاهدون
‏توضيح أن ما يُعرض هو تمثيل وليس نموذجًا يُحتذى
‏تقليل التعرض للمحتوى الذي يعزز السخرية
‏رابعاً: دور الطالب نفسه
‏من المهم أن يدرك كل طالب أنه جزء من الحل:
‏لا تضحك على سخرية تؤذي غيرك
‏دافع عن زميلك إن استطعت وكن قدوة في الكلمة الطيبة
‏إن أخطر ما في التنمر ليس كلماته، بل اعتيادها. فعندما يتحول الأذى إلى مادة للضحك، نفقد جزءًا من إنسانيتنا دون أن نشعر. لذلك، فإن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ بالوعي، وتُبنى بالتربية، وتُثمر مجتمعًا أكثر رحمة واحترامًا.
‏فلنُعلِّم أبناءنا أن الكلمة قد تضحك… لكنها قد تُؤلم، وأن الاحترام هو اللغة التي لا تجرح أحدًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot