السبت، 14 مارس 2026

هل نحن الجيل الأكثر توترًا في التاريخ؟

يبدو هذا السؤال مبالغًا فيه للوهلة الأولى. فكل جيل يعتقد أن زمنه هو الأكثر صعوبة وضغطًا. لكن المفاجأة أن كثيرًا من الدراسات الحديثة تشير بالفعل إلى أن مستويات القلق والتوتر بين الشباب اليوم أعلى مما كانت عليه لدى الأجيال السابقة في العمر نفسه.
ففي استطلاعات دولية شملت عشرات الدول، قال أكثر من ثلث الشباب بين 15 و24 عامًا إنهم يشعرون بالقلق أو التوتر بشكل متكرر، وهي نسبة أعلى من تلك المسجلة لدى الفئات العمرية الأكبر سنًا. كما أفاد نحو 19% من الشباب بأنهم يشعرون بالاكتئاب أو فقدان الاهتمام بالحياة بشكل متكرر مقارنة بنسبة أقل لدى الأجيال الأكبر. 
وفي بعض الدول تشير الدراسات إلى أن مشكلات الصحة النفسية بين الشباب تضاعفت خلال العقد الأخير. ففي إنجلترا مثلًا ارتفعت نسبة الشباب الذين يعانون اضطرابات نفسية شائعة إلى نحو ربع الفئة العمرية 16–24 عامًا، بعدما كانت أقل بكثير قبل سنوات. 

لكن السؤال الأهم ليس 
فقط: هل التوتر زاد؟ بل لماذا زاد؟
عالم أسرع من قدرة الإنسان على التكيف
الإنسان المعاصر يعيش في بيئة مختلفة جذريًا عن تلك التي عاش فيها آباؤه. فالأخبار تصل في كل لحظة، والأزمات العالمية تنتقل فورًا إلى شاشات الهواتف. الحروب، والأزمات الاقتصادية، والتغير المناخي، كلها أحداث يشعر الشباب اليوم أنهم يشهدونها مباشرة.
حتى القضايا العالمية الكبرى مثل المناخ أصبحت مصدر قلق دائم لدى الأجيال الجديدة؛ إذ تشير دراسات إلى أن نحو 73% من الشباب يشعرون بقلق شديد تجاه تأثيرات التغير المناخي، وكثير منهم يقولون إن ذلك يسبب لهم توترًا مستمرًا بشأن المستقبل. 

في الماضي كان الإنسان يقارن نفسه بدائرة محدودة من الناس: الجيران أو زملاء العمل. أما اليوم فقد أصبح يقارن حياته بملايين الأشخاص عبر الإنترنت.
وسائل التواصل الاجتماعي خلقت حالة من المقارنة المستمرة: النجاح، المال، السفر، المظهر، وحتى أسلوب الحياة. هذه المقارنات اليومية قد تجعل كثيرًا من الناس يشعرون بأنهم متأخرون أو أقل نجاحًا، حتى لو كانت حياتهم في الواقع طبيعية.

الجيل الحالي يعيش أيضًا في ظل حالة من عدم اليقين الاقتصادي. فتكاليف المعيشة ترتفع في كثير من الدول، وسوق العمل أصبح أكثر تنافسًا وتقلبًا.
لهذا يشعر كثير من الشباب أن الطريق إلى الاستقرار أصبح أطول وأكثر غموضًا مما كان عليه لدى الأجيال السابقة.

المفارقة أن هذا الجيل يعيش في زمن يتمتع فيه الإنسان بفرص تعليم أفضل، وتكنولوجيا متقدمة، وإمكانيات لم تكن متاحة من قبل. ومع ذلك، يشعر كثيرون بضغط نفسي أكبر.
ربما لأن كمية الخيارات والفرص نفسها أصبحت مصدر توتر. فكل قرار يبدو مصيريًا، وكل اختيار قد يغير المستقبل.

هل نحن فعلًا الأكثر توترًا؟
ربما يكون من الصعب الجزم بأننا أكثر توترًا من كل الأجيال السابقة. فالتاريخ عرف حروبًا عالمية ومجاعات وأزمات قاسية.
لكن ما يبدو واضحًا أن شكل التوتر نفسه تغير.
لم يعد مرتبطًا فقط بالبقاء أو الأمان، بل أصبح مرتبطًا بالمستقبل، والهوية، والنجاح، والمقارنة المستمرة.
بقلم د نهي غانم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot