مرت الأيام بخفة فراشة، لكن في قلبها كانت ثقيلة بالتفاصيل، مليئة بالتحضيرات، والمشاعر المتشابكة، والضحكات التي تسبق الفرح الكبير.
بعد أن تمّت الموافقة على زواج "آمال" من "سعيد"، دبت الحركة في بيت "رفاعي" كما لم يحدث من قبل.
"سحر"، التي تخرجت لتوّها من الثانوية العامة، كانت قد بدأت عامها الجامعي الأول، تدرس علم - النفس والمحاسبة - بشغف، تتأرجح بين أحلامٍ كثيرة، ولكن قلبها ما زال متعلقًا بدفء البيت وأحاديث "آمال" المسائية.
"محمد" و"أحمد" استقرا في أعمالهما، يمضيان النهار في الكد والسعي، ويعودان مساءً بنظرات التعب الممتزجة بالرضا، أما "محمود" فكان على أعتاب مرحلة جديدة، وقد انتقل رسميًا إلى الصف الأول من المرحلة الثانوية.
أما "آمال"، فقد أصبحت عروس البيت... تتنقل بين غرفتها والمحال، تجهّز وتدوّن، وتسأل وتضحك وتخجل، وكأنها تعيش حلمًا تأخر طويلاً.
في إحدى الليالي، كانت "أنعام" ترتب أغراضها وهي تقول لابنتها بابتسامة مفعمة بالحنان:
– "يوم العطلة يا "آمال"، هآخدك نشتري باقي مستلزمات جهازك... يوم الفرح قرب، ولازم نكون مستعدين."
"آمال"، وقد خجلت من عيني أمها، ردت بلطف:
– "حاضر يا ماما... ربنا يخليكي لينا، تعبتي معانا كتير."
ربتت "أنعام" على كتفها وقالت:
– "أنا ما عملتش حاجة... دي فرحة عمري إني أشوفك عروسة، وربنا يفرحني بيكم كلكم."
وبينما الأيام تتسابق، تواصلت التحضيرات. "أنعام" انشغلت بتجهيز الشقة التي سيسكنها العروسان، تساعدها في ذلك "أم سعيد"، تلك السيدة الطيبة التي كانت تحب "آمال" كأنها ابنتها، و"سحر" التي لم تكن تترك والدتها لحظة.
وفي مساءٍ دافئ، وبينما كانت "أنعام" تطوي فستانًا أبيض كانت قد اشترته "لآمال"، أمسكت بهاتفها، واتصلت على أمها، الجدة ذكية، في "مصر".
جاء صوتها على الخط ضعيفًا بعض الشيء، لكنه لا يزال يحمل دفء الصعيد ولهجته الصادقة.
– "ألو يا أمه... أنا "أنعام" يا أمه... عندي ليكي خبر حلو."
ردت "ذكية"، وقد تعرفت على صوت ابنتها فورًا:
– "خير يا حبيبتي... قلبي بيقول إن في فرحة...!"
ضحكت "أنعام" من قلبها، ثم قالت والدموع تلمع في عينيها:
– "آمال" هتتجوز يا أمه... من ابن عمها "سعيد"، كتبنا الكتاب وقربنا نفرح بيها."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم جاء صوت بكاء الجدة "ذكية" على الطرف الآخر:
– "ربنا يتمم لها بخير... دي "آمال" دي بنتي أنا كمان... والله فرحتك فرحتي يا "أنعام..." عقبال "محمد" يا رب... وعقبال ما أشوفكم كلكم في أبهى حال."
– "تعبك ما راحش يا أمه... كل لحظة سهرتيها، وكل دمعة دمعتيها، ربنا جازاكي بيها خير."
قالتها "أنعام" وهي تمسح دمعةً نزلت رغماً عنها، ثم أنهت المكالمة وقلبها ممتلئ بالرضا، ونظرت إلى "آمال" التي كانت تقف في الزاوية تستمع بصمت، ففتحت لها ذراعيها، فاندفعت الفتاة إلى حضن أمها، تبكي بصمت، لكن دموعها لم تكن حزنًا، بل امتنانًا.
وفي بيت "رفاعي"، اجتمع الفرح من كل باب، ولم تعد الجدران قادرة على احتواء السعادة.
كانت تلك الأيام من النوع الذي لا يُنسى، حيث تتراكم اللحظات مثل زخات المطر، تنبت في القلب أزهارًا لا تذبل. بقلم عاشقة الوطن...سحر غانم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق