السبت، 28 مارس 2026

سقطت الأناقة في فخ العُري


خلف أضواء الـ "فلاش" الصاخبة، وعلى طول ذلك السجاد الأحمر الذي يمتد كلسانٍ طويل يبتلع حياء العصور، وقفتُ أراقب المشهد. لم تكن مجرد عروض للأزياء أو مهرجانات للسينما، بل كانت أشبه بـ "مزادٍ علني" للجسد، حيث تتسابق الأثواب في ماراثون غريب: مَن تكشف أكثر؟ ومَن تجرؤ على نزع ورقة التوت الأخيرة؟
الحياء الغائب
عادت بي الذاكرة إلى زمنٍ كانت فيه "الشياكة" تكمن في الغموض. كان كشف خصلة شعر أو ملامسة الثوب للركبة يُعد ثورة أنوثة صارخة. أما اليوم، فقد تحولت المنصات إلى مسارح للتضاريس المكشوفة؛ أثواب شفافة لا تستر قدر ما تفضح، وكأن القماش لم يُصنع ليواري، بل ليرسم حدود البشرة ولونها بدقة متناهية، متجاوزاً كل خطوط الذوق الرفيع.
تساءلتُ وأنا أرى هذا التهافت: لماذا يرتجف المصممون خوفاً من "البطانة"؟ حتى لو كانت بلون الجسد لإعطاء الإيحاء المطلوب، أليس في وجودها احترامٌ لهذا الجسد الذي هو أمانة من الخالق؟
إن المبالغة في كشف المستور لم تعد تميزاً، بل أصبحت نوعاً من الإفلاس الإبداعي. فالفن الحقيقي هو الذي يجعلك تنبهر بالثوب وتفاصيله، لا الذي يجعلك تبحث عن قطعة قماش ضائعة وسط العري.
المشهد لم يعد محصوراً في شاشات التلفاز، بل امتد لقلب البيوت. رأيتُ تلك الأم وهي تضع يدها بحسرة على عيني طفلها الصغير، تحاول جاهدة أن تحمي براءته من سيل الأجساد المتدفقة عبر الشاشات. أصبح السؤال المرير: متى صار العراء شرطاً للأناقة؟
الشياكه والرقي هو احترام الذات
إن الشياكة الحقيقية ليست في "كشف المستور"، بل في هيبة الحضور. هي في اختيار ملبس يبرز الجمال دون أن يخدش الحياء، وفي أناقة تفرض الاحترام قبل أن تثير الغرائز.
ارحموا الذوق العام، وارحموا قدسية الجمال من مهرجانات "الإسفاف"، فليس كل ما يكشف الجسد يرفع القيمة، ويبقى الستر هو أرقى أنواع الفخامة.والشياكه
الكاتبة والشاعرة سالي النجار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot